Bloody mary Renaissance Execution

اضطهاد “ماري الدموية” 1555-1558: حين أحرقت ملكة كاثوليكية ثلاثمئة من رعاياها البروتستانت

المقدمة

بين عامي 1555 و1558، أشرفت الملكة الإنجليزية ماري الأولى، الملقّبة تاريخيًا بـ”ماري الدموية” (Bloody Mary)، على حملة اضطهاد دينية منهجية أُحرق خلالها نحو 280 إلى 300 من الإنجليز البروتستانت أحياء على المحك بتهمة الهرطقة، في محاولة حثيثة لإعادة إنجلترا بالكامل إلى حظيرة الكاثوليكية الرومانية بعد عقدين من الإصلاح الديني الذي أطلقه والدها هنري الثامن. لم تكن هذه الأرقام، بمعايير الحروب الدينية القارية الأوروبية الأكبر حجمًا كحرب الثلاثين عامًا أو مجزرة بارثولوميو، هائلة عدديًا، لكن طبيعتها المنهجية والقضائية الرسمية، واستهدافها لشخصيات دينية بارزة كأساقفة سابقين، تركت أثرًا عميقًا ودائمًا في الذاكرة الجمعية الإنجليزية البروتستانتية استمر قرونًا.

خلفية: من الطلاق الملكي إلى الانشقاق عن روما

بدأ الانفصال الديني الإنجليزي عن روما بقرار شخصي للملك هنري الثامن، والد ماري نفسها، الذي رغب في إبطال زواجه من الملكة كاثرين الأراغونية (والدة ماري) للزواج من آن بولين، لكن البابا كليمنت السابع رفض منحه هذا الإبطال. رداً على هذا الرفض، أصدر هنري الثامن عام 1534 “قانون السيادة” (Act of Supremacy)، الذي أعلن الملك الإنجليزي نفسه، لا البابا، رئيسًا أعلى للكنيسة الإنجليزية، منهيًا رسميًا السلطة البابوية على إنجلترا، رغم أن هنري الثامن نفسه حافظ طوال حياته على كثير من الممارسات اللاهوتية والطقسية الكاثوليكية التقليدية، معتبرًا انفصاله إداريًا-سياسيًا أكثر منه عقائديًا جذريًا.

تعمّق الإصلاح البروتستانتي الفعلي في إنجلترا بشكل أكبر خلال حكم إدوارد السادس، الابن الوحيد الذكر لهنري الثامن، الذي اعتلى العرش طفلًا عام 1547 تحت وصاية مستشارين بروتستانت متحمسين، فأُدخلت إصلاحات لاهوتية وطقسية جذرية أقرب للكالفينية، شملت كتاب الصلاة العام الجديد باللغة الإنجليزية وإلغاء القداس اللاتيني التقليدي.

اعتلاء ماري العرش وإعادة الكاثوليكية

توفي إدوارد السادس عام 1553 عن عمر ستة عشر عامًا فقط، وبعد أزمة خلافة قصيرة ومحاولة فاشلة لتنصيب الليدي جين غراي البروتستانتية ملكة بديلة، اعتلت ماري الأولى، الابنة الكاثوليكية المتدينة بعمق لهنري الثامن وكاثرين الأراغونية، العرش رسميًا بدعم شعبي واسع نسبيًا في مراحله الأولى، إذ اعتُبرت الوريثة الشرعية الأحق بالعرش بحكم النسب المباشر. شرعت ماري فور توليها السلطة في إعادة إنجلترا إلى الكاثوليكية الرومانية بشكل منهجي وسريع: ألغت قوانين الإصلاح الإدوارديّة، وأعادت القداس اللاتيني التقليدي، وتزوجت من الأمير الإسباني فيليب (الذي أصبح لاحقًا فيليب الثاني ملك إسبانيا الكاثوليكية المتشددة)، وتصالحت رسميًا مع البابا في روما عام 1554 عبر إعادة العلاقة الرسمية بين الكنيستين الإنجليزية والرومانية.

قوانين الهرطقة وبداية الإعدامات

لتحقيق هدفها في القضاء على البروتستانتية بشكل كامل، أعادت ماري إحياء قوانين هرطقة قديمة من العصور الوسطى (De Heretico Comburendo) كانت قد أُلغيت خلال حكم إدوارد السادس، والتي جرّمت الانحراف عن العقيدة الكاثوليكية الرسمية وفرضت عقوبة الحرق حيًا على المدانين الذين يرفضون التراجع عن معتقداتهم “الهرطوقية”. بدأت أولى الإعدامات فعليًا في فبراير 1555، واستمرت بوتيرة متصاعدة حتى وفاة ماري نفسها في نوفمبر 1558، لتشمل هذه الحملة، التي عُرفت لاحقًا بـ”اضطهادات ماري” (Marian Persecutions)، ما يقارب 280 إلى 300 إعدام حرقًا موثق، إلى جانب سجن ونفي أعداد إضافية أكبر بكثير فرّ كثير منهم إلى مناطق بروتستانتية أوروبية آمنة كجنيف وستراسبورغ وفرانكفورت.

إعدامات رمزية بارزة: كرانمر ولاتيمر وريدلي

من أبرز ضحايا هذه الحملة توماس كرانمر، رئيس أساقفة كانتربري السابق ومهندس الإصلاح الديني الإنجليزي الرئيسي منذ عهد هنري الثامن، الذي أُجبر تحت ضغط نفسي شديد ومحاولات إقناع متكررة على توقيع عدة تراجعات مكتوبة عن معتقداته البروتستانتية قبل إعدامه، لكنه في لحظة إعدامه الأخيرة في أكسفورد مارس 1556، أعلن علنًا وبشكل درامي غير متوقع تراجعه عن تراجعاته المكتوبة السابقة، ومدّ يده اليمنى التي وقّع بها التراجعات إلى النار أولًا وأبقاها فيها متعمدًا معلنًا أنها “أخطأت” فيجب أن تُعاقب أولًا، في مشهد أصبح لاحقًا من أكثر الروايات تأثيرًا في الذاكرة البروتستانتية الإنجليزية.

أُعدم أيضًا هيو لاتيمر ونيكولاس ريدلي، أسقفان بارزان سابقان، معًا في أكسفورد عام 1555، ونُسبت للاتيمر عبارة تشجيعية شهيرة موجهة لريدلي وهما يُقادان للمحرقة: أن يتشجعا ويكونا “شمعتين” لن تُطفأ نارهما أبدًا في إنجلترا، في إشارة نبوئية لما اعتبره لاحقًا البروتستانت الإنجليز انتصارًا نهائيًا لقضيتهم رغم استشهادهم الفردي.

كتاب فوكس عن الشهداء: تخليد الذاكرة

بعد وفاة ماري عام 1558 واعتلاء أختها غير الشقيقة إليزابيث الأولى، البروتستانتية، العرش، نشر الكاتب الإنجليزي جون فوكس عام 1563 كتابًا موسوعيًا ضخمًا عُرف باسم “كتاب الشهداء” (رسميًا: أعمال ونصب تذكارية)، وثّق فيه بتفصيل درامي مكثف سِيَر ومعاناة ضحايا اضطهاد ماري، مصحوبًا برسوم توضيحية مؤثرة لمشاهد الحرق. حقق هذا الكتاب انتشارًا هائلًا واستثنائيًا في إنجلترا البروتستانتية، وأصبح لعدة قرون تالية، إلى جانب الكتاب المقدس نفسه، من أكثر الكتب قراءة وتأثيرًا في تشكيل الهوية الوطنية والدينية البروتستانتية الإنجليزية، ولعب دورًا محوريًا في ترسيخ لقب “ماري الدموية” في الذاكرة الشعبية الإنجليزية حتى يومنا هذا، رغم أن بعض المؤرخين المعاصرين يشيرون إلى أن فوكس بالغ أحيانًا في تفاصيل بعض الروايات لأغراض دعائية بروتستانتية واضحة.

التقييم التاريخي: سياق أوسع من القسوة الدينية المتبادلة

يشير مؤرخون معاصرون محايدون إلى ضرورة وضع اضطهادات ماري في سياقها التاريخي الأوسع؛ إذ لم تكن ممارسة إعدام “الهراطقة” حرقًا حكرًا على الكاثوليك وحدهم في تلك الحقبة، فقد نفّذت الحكومات البروتستانتية بدورها إعدامات مماثلة بحق كاثوليك ومعارضين دينيين آخرين (كما سيحدث لاحقًا في عهد إليزابيث الأولى نفسها ضد الكهنة الكاثوليك)، وإن ظلت حملة ماري تبرز تاريخيًا بشكل خاص بحكم شدتها النسبية خلال فترة حكم قصيرة نسبيًا (أقل من خمس سنوات)، وتركيزها الجغرافي المكثف نسبيًا مقارنة بمساحة إنجلترا المحدودة، ودورها المحوري في تشكيل هوية دينية-وطنية بروتستانتية إنجليزية استمرت متجذرة لقرون تالية عبر إرث فوكس الأدبي المؤثر.

الإرث

توفيت ماري الأولى عام 1558 دون أن تحقق هدفها الأعمق بإعادة إنجلترا بشكل دائم للكاثوليكية الرومانية؛ إذ سرعان ما أعادت خليفتها إليزابيث الأولى فرض التسوية الدينية البروتستانتية (وإن باعتدال نسبي أكبر عُرف بـ”التسوية الإليزابيثية”)، لتصبح إنجلترا بروتستانتية أنجليكانية راسخة لقرون تالية. تبقى حملة ماري شاهدًا تاريخيًا على كيف يمكن لفترة حكم قصيرة نسبيًا، حين تقترن بحماس ديني شخصي عميق واستخدام منهجي لأدوات الدولة القضائية، أن تترك ندبة عميقة الأثر في الذاكرة الوطنية الجماعية تفوق بكثير حجمها الزمني أو العددي المباشر.

المصادر

  • Eamon Duffy, Fires of Faith: Catholic England under Mary Tudor (Yale University Press, 2009)
  • John Foxe, Actes and Monuments (كتاب الشهداء، 1563) — المصدر المعاصر الأساسي والأكثر تأثيرًا
  • David Loades, Mary Tudor: A Life (Blackwell, 1989)
  • Linda Porter, Mary Tudor: The First Queen (Piatkus, 2007)
  • Diarmaid MacCulloch, Thomas Cranmer: A Life (Yale University Press, 1996)
  • Thomas S. Freeman & Marcus Nevitt (eds.), Tudor and Stuart Martyrs (Manchester University Press, 2016)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *