Qostantenia1204

في الثالث عشر من أبريل عام 1204، اقتحم جيش من “الحجاج الصليبيين” الغربيين أعظم مدينة مسيحية في العالم آنذاك: القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية وقلب الأرثوذكسية الشرقية. لم يكن هؤلاء الغزاة مسلمين ولا وثنيين، بل كانوا فرسانًا كاثوليك خرجوا أصلًا لتحرير بيت المقدس، لكنهم انتهوا بنهب أقدس كنائس المسيحية الشرقية، وذبح آلاف من سكانها المسيحيين، وتدنيس أضرحتها ومذابحها. يُجمع المؤرخون على أن هذا الحدث كان أحد أعمق الجراح التي مزّقت جسد المسيحية، وأنه رسّخ الانشقاق بين روما والقسطنطينية إلى درجة لم تُشفَ حتى اليوم.

خلفية الحملة: من بيت المقدس إلى زارا

دعا البابا إنوسنت الثالث عام 1198 إلى حملة صليبية رابعة لاستعادة بيت المقدس، بعد أن سقطت بيد صلاح الدين قبل ذلك بعقد. اتفق قادة الحملة مع جمهورية البندقية على بناء أسطول ينقلهم إلى مصر مقابل 85 ألف مارك فضي، لكن عدد الحجاج الذين تجمعوا كان أقل بكثير مما توقعوا، فعجزوا عن سداد المبلغ كاملًا.

عرض دوق البندقية إنريكو داندولو، وهو رجل عجوز أعمى لكنه سياسي محنّك، حلًا: أن يساعد الصليبيون البندقية في الاستيلاء على مدينة زارا (زادار الحالية في كرواتيا)، وهي مدينة كاثوليكية تابعة لملك المجر، سدادًا للدين. وافق قادة الحملة رغم اعتراض كثير من الحجاج على مهاجمة مدينة مسيحية، وسقطت زارا في نوفمبر 1202. غضب البابا إنوسنت الثالث حين علم بالأمر، وحرم الجيش بأكمله كنسيًا، ثم رفع الحرمان لاحقًا عن غير البنادقة مع تحذيرهم بعدم تكرار الأمر.

الانحراف نحو القسطنطينية

في هذه الأثناء، ظهر أمير بيزنطي شاب هو الإسكندر أنجيلوس (Alexios Angelos)، نجل الإمبراطور المخلوع إسحاق الثاني، وعرض على قادة الحملة صفقة مغرية: إن ساعدوه على استعادة عرش أبيه، فسيدفع لهم 200 ألف مارك فضي، ويُخضع الكنيسة الأرثوذكسية لسلطة روما، ويموّل استكمال الحملة نحو مصر بجيش وأسطول بيزنطيين. رأى داندولو وكثير من القادة في هذا العرض فرصة ذهبية لسداد ديونهم، فاتجه الأسطول شرقًا نحو القسطنطينية بدل الإسكندرية، متجاهلين الغرض الأصلي للحملة بالكامل.

وصل الصليبيون إلى أسوار القسطنطينية في يونيو 1203، وبعد حصار قصير هرب الإمبراطور الحاكم أليكسيوس الثالث، فأُعيد تنصيب إسحاق الثاني وابنه أليكسيوس الرابع إمبراطورين مشاركين. لكن الخزينة البيزنطية المنهكة عجزت عن دفع المبلغ الموعود، فتصاعد التوتر بين الصليبيين المرابطين خارج الأسوار وسكان المدينة الغاضبين من هذا “الدَّين” المفروض عليهم. في يناير 1204، أطاح انقلاب شعبي بأليكسيوس الرابع، وقتله أليكسيوس الخامس (الملقب مورتزوفلوس) الذي تولى العرش ورفض الاعتراف بأي التزامات تجاه الصليبيين.

سقوط المدينة والمجزرة

اعتبر قادة الحملة رفض الإمبراطور الجديد تبريرًا كافيًا لغزو المدينة مباشرة. في التاسع من أبريل 1204 شنّوا هجومهم الأول ففشل، ثم عادوا في الثاني عشر من الشهر نفسه واخترقوا الأسوار البحرية بمساعدة السلالم المثبتة على السفن البندقية. في الثالث عشر من أبريل سقطت القسطنطينية، وبدأت ثلاثة أيام من النهب المنظم والمجازر لم تشهد المدينة مثلها منذ تأسيسها على يد قسطنطين الكبير قبل نحو 900 عام.

يصف المؤرخ البيزنطي المعاصر نيكيتاس خونياتيس، الذي عاش الأحداث بنفسه وفرّ من المدينة، مشاهد القتل والاغتصاب ونهب البيوت والكنائس على السواء، دون تمييز بين رجل دين وعامة الناس. قُتل الآلاف من المدنيين، ودُمّرت مكتبات ومخطوطات يونانية وأعمال فنية يعود بعضها إلى العصر الكلاسيكي، أُذيبت لاستخراج معادنها.

نهب المقدسات وتدنيس آيا صوفيا

لم تسلم كاتدرائية آيا صوفيا، أقدس كنيسة في العالم الأرثوذكسي، من النهب. اقتحمها الجنود ونهبوا مذبحها الفضي وأيقوناتها الذهبية وصليبانها المرصّعة، وبحسب رواية خونياتيس، جلست امرأة من عامة النساء المرافقات للجيش على كرسي البطريرك الأرثوذكسي وأنشدت أغاني بذيئة استهزاءً بالطقوس الكنسية. نُقلت آلاف الذخائر المقدسة والرفات المقدّسة إلى أوروبا الغربية، ولا تزال كثير من كنائس فرنسا وإيطاليا وألمانيا تحتفظ بها حتى اليوم. أما تماثيل الخيول البرونزية الأربعة التي كانت تزين ميدان السباق (الهيبودروم)، فحُملت إلى البندقية حيث تُزيّن اليوم واجهة كاتدرائية القديس مرقس.

تأسيس الإمبراطورية اللاتينية والانقسام الدائم

بعد السقوط، اقتسم الصليبيون والبنادقة أراضي الإمبراطورية البيزنطية فيما عُرف باتفاقية “تقسيم أراضي رومانيا”، وأُقيمت “الإمبراطورية اللاتينية” في القسطنطينية بقيادة بلدوين الفلمنكي، مع تنصيب بطريرك كاثوليكي لاتيني مكان البطريرك الأرثوذكسي. لجأت النخبة البيزنطية إلى تأسيس دويلات منفية أبرزها إمبراطورية نيقية، التي نجحت عام 1261 في استعادة القسطنطينية تحت قيادة ميخائيل الثامن باليولوغوس، لكن الإمبراطورية البيزنطية لم تستعد قوتها السابقة أبدًا، وظلت ضعيفة منهكة حتى سقطت نهائيًا بيد العثمانيين عام 1453. يرى كثير من المؤرخين أن حملة 1204 كانت الضربة الحقيقية التي أنهت بيزنطة، قبل قرنين ونصف من سقوطها الرسمي.

ردود الفعل والاعتراف المتأخر

حين وصلت أنباء المجزرة إلى روما، كتب البابا إنوسنت الثالث رسالة غضب شديدة اللهجة إلى قادة الحملة، منددًا بما ارتكبوه من سفك دماء إخوانهم المسيحيين وتدنيس الكنائس، رغم أن مندوبه الرسولي في الميدان كان قد منح الجيش غفرانًا مسبقًا بالمخالفة لتوجيهات البابا. ومع ذلك، لم يتراجع إنوسنت عن الاعتراف بالإمبراطورية اللاتينية الجديدة لاحقًا.

ظل هذا الحدث جرحًا مفتوحًا في العلاقة بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية لثمانية قرون، حتى قدّم البابا يوحنا بولس الثاني عام 2001 اعتذارًا رسميًا عن أحداث الحملة الرابعة، وكرره بشكل أكثر تحديدًا عام 2004 بمناسبة الذكرى الثمانمئة للسقوط، في رسالة موجهة إلى البطريرك المسكوني بارثولوميوس الأول، الذي قبل الاعتذار علنًا في العام نفسه.

المصادر

  • Steven Runciman, A History of the Crusades, Vol. 3 (Cambridge University Press, 1954)
  • Jonathan Phillips, The Fourth Crusade and the Sack of Constantinople (Viking, 2004)
  • Donald E. Queller & Thomas F. Madden, The Fourth Crusade: The Conquest of Constantinople, 2nd ed. (University of Pennsylvania Press, 1997)
  • Niketas Choniates, O City of Byzantium: Annals of Niketas Choniates, trans. Harry J. Magoulias (Wayne State University Press, 1984)
  • Geoffrey of Villehardouin, The Conquest of Constantinople (مصدر صليبي معاصر للحدث)
  • Michael Angold, The Fourth Crusade: Event and Context (Routledge, 2003)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *