Papal Intrigue Over Renaissance Rome

باباوات الفاتيكان الأكثر فسادًا: من “عصر الإباحية” إلى عائلة بورجيا التي حكمت روما بالسم والدسائس

المقدمة

على مدى ما يقارب ألفي عام، شغل منصب البابا، خليفة القديس بطرس والمرجعية الروحية العليا للمسيحية الكاثوليكية، مئات الرجال، كان أغلبهم رجال دين أتقياء بمعايير عصرهم. لكن التاريخ الكنسي نفسه، وليس فقط خصوم الكنيسة، يعترف بحقبات مظلمة شغل فيها الكرسي البابوي رجال اشتُهروا بالفساد المالي والانحلال الأخلاقي والقتل والدسائس السياسية، إلى درجة دفعت مؤرخين كاثوليك أنفسهم لوصف بعض هذه الحقبات بأوصاف قاسية مثل “العصر المظلم للبابوية” أو “حكم العاهرات” (Pornocracy). يستعرض هذا المقال أبرز هذه الحالات الموثقة تاريخيًا، اعتمادًا على مصادر أكاديمية وكنسية معترف بها.

“الساكولوم أوبسكوروم”: العصر المظلم للبابوية (904-964)

يُطلق المؤرخون على الفترة الممتدة بين عامي 904 و964 مصطلح “Saeculum Obscurum” (القرن المظلم)، إذ سيطرت خلالها عائلتان نبيلتان رومانيتان متنافستان، وعلى رأسهما امرأتان نافذتان هما تيودورا وابنتها ماروزيا، على تعيين وخلع البابوات بحسب مصالحهما السياسية والشخصية، في فترة وصفها المؤرخ الكاثوليكي الشهير الكاردينال قيصري بارونيوس نفسه في القرن السادس عشر، بصفته مؤرخًا رسميًا للكنيسة، بأنها حقبة “حكم النساء الفاجرات” التي أنتجت باباوات “ليسوا بالكاد يستحقون أن يُذكروا”.

كان البابا سرجيوس الثالث (904-911)، بحسب رواية المؤرخ المعاصر له ليوتبراند الكريموني، عشيقًا لماروزيا رغم أنها كانت في مطلع مراهقتها، وأنجب منها ابنًا غير شرعي أصبح لاحقًا هو نفسه بابا تحت اسم يوحنا الحادي عشر (931-935). كما يُتهم سرجيوس الثالث بأنه أمر بقتل البابا السابقَين له، لاون الخامس وكريستوفر، خنقًا في سجنهما لتثبيت سلطته الخاصة. تولت ماروزيا لاحقًا سيطرة تامة على روما بلقب غير رسمي يقارب “سيدة روما” (Senatrix)، وتحكمت في تعيين البابوات التالين، حتى أن ابنها البابا يوحنا الحادي عشر عاش عمليًا سجينًا تحت سلطة والدته الفعلية.

بلغت هذه الحقبة ذروتها الأكثر فضائحية مع حفيد ماروزيا، البابا يوحنا الثاني عشر (955-964)، الذي انتُخب بابا وهو في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره فقط بفضل نفوذ عائلته. تصفه سجلات معاصرة، منها كتابات ليوتبراند الكريموني نفسه الذي حضر محاكمته الكنسية، بأنه حوّل القصر اللاتراني (المقر البابوي الرسمي آنذاك) إلى ما يشبه بيت دعارة، وأنه اغتصب حجاجًا نساء داخل كنيسة القديس بطرس نفسها، وسمّم الخمر ليقتل خصومه، وأقسم القسم الكهنوتي باسم آلهة وثنية كأبولو وزحل استهزاءً، وأصاب عينه بفقء أحد كرادلته بيده. عقد الإمبراطور أوتو الأول مجمعًا كنسيًا عام 963 خلع فيه يوحنا الثاني عشر رسميًا بتهم الزنا والقتل والقسم الكاذب، لكنه استعاد السلطة لاحقًا بالقوة قبل أن يموت في ظروف غامضة عام 964، إذ تشير بعض الروايات المعاصرة إلى أنه لقي حتفه أثناء علاقة جنسية مع امرأة متزوجة، على يد زوجها الغاضب.

بنديكت التاسع: البابا الذي باع منصبه

يُعد البابا بنديكت التاسع، الذي شغل المنصب ثلاث مرات متقطعة بين 1032 و1048، حالة استثنائية حتى داخل هذا السجل الحافل بالفضائح. انتُخب بابا في سن مبكرة جدًا (تتراوح التقديرات بين الثامنة عشرة والعشرين) بفضل نفوذ عائلته النبيلة، ووصفه القديس بطرس داميان، وهو راهب معاصر له ولاحقًا كاردينال وقديس معترف به رسميًا في الكنيسة الكاثوليكية، بأنه عاش حياة “مليئة بالزنا وسفك الدماء”، فيما وصفه البابا فيكتور الثالث اللاحق، في سيرته الذاتية المكتوبة، بأن “حياته كبابا كانت شنيعة وبغيضة وفظيعة لدرجة يرتجف المرء من مجرد التفكير فيها”.

طُرد بنديكت التاسع من روما مرتين بثورات شعبية بسبب سلوكه، لكن الأغرب من ذلك أنه، في مرحلة معينة عام 1045، باع منصبه البابوي فعليًا مقابل مبلغ مالي كبير (تشير بعض المصادر إلى ألف كيلوغرام من الذهب) لعرّابه غريغوري السادس، رغبةً منه، بحسب بعض الروايات، في التفرغ للزواج من ابنة عمه، قبل أن يندم ويحاول استعادة المنصب لاحقًا بالقوة، مما أدى إلى وضع غريب شهدت فيه روما وجود ثلاثة باباوات متنازعين في آن واحد (بنديكت التاسع، وسلفستر الثالث، وغريغوري السادس)، إلى أن تدخل الإمبراطور هنري الثالث بمجمع سوتري عام 1046 لخلعهم جميعًا وتنصيب بابا ألماني إصلاحي بديل.

بابوية النهضة: عائلة بورجيا والبابا ألكسندر السادس

بعد قرون من الإصلاحات الكنسية التي حدّت نسبيًا من هذا النمط من الفساد، عادت الفضائح البابوية للظهور بقوة خلال عصر النهضة الإيطالية، حين اختلط المنصب البابوي بالسياسة الدنيوية والثراء الفاحش لعائلات النبلاء الإيطالية الكبرى. يمثّل البابا ألكسندر السادس (1492-1503)، ويُدعى بالميلاد رودريغو بورجيا، الحالة الأكثر شهرة وتوثيقًا لهذه الحقبة.

اشترى رودريغو بورجيا، الإسباني الأصل، منصبه البابوي عمليًا عبر رشى مباشرة لكرادلة المجمع الانتخابي عام 1492، بحسب مصادر معاصرة عديدة منها سفير مانتوفا في روما الذي وثّق تفاصيل الصفقات. أنجب ألكسندر السادس، قبل وأثناء توليه المنصب، عددًا من الأبناء غير الشرعيين المعترف بهم علنًا من عدة عشيقات، أبرزهم تشيزاري بورجيا ولوكريزيا بورجيا، اللذان أصبحا شخصيتين مركزيتين في سياسة إيطاليا آنذاك. استخدم ألكسندر السادس منصبه الديني بشكل مباشر لتعزيز مصالح عائلته الدنيوية، فمنح تشيزاري رتبة كاردينال في سن السابعة عشرة، ثم سمح له لاحقًا بالتخلي عن الكهنوت ليصبح قائدًا عسكريًا طموحًا استولى بالقوة والدسائس على إمارات عديدة في وسط إيطاليا.

يصف المؤرخ الإيطالي المعاصر فرانشيسكو غويتشاردini، في كتاباته التاريخية الشهيرة عن إيطاليا، بلاط ألكسندر السادس بأنه غارق في “الشهوة والجشع والقسوة”، وتحيط بوفاة تشيزاري وتوسعاته المتكررة شبهات استخدام السم (خاصة مادة “كانتاريلا” المزعومة) للتخلص من خصوم العائلة وأثريائها لمصادرة ثرواتهم لصالح الكنيسة والعائلة معًا. لم تنجُ سمعة ألكسندر السادس نفسه من هذه الشبهات؛ إذ توفي عام 1503 في ظروف أثارت تكهنات معاصرة وحديثة بأنه تسمم عن طريق الخطأ بنفس السم الذي كان يُعد أصلًا لضيوف آخرين، رغم أن المؤرخين المعاصرين يميلون إلى ترجيح أنه توفي بسبب الملاريا المنتشرة آنذاك في روما.

من يوليوس الثاني إلى ليو العاشر: البابوية المحارِبة والفاسدة ماليًا

خلف ألكسندر السادس بعد فترة قصيرة البابا يوليوس الثاني (1503-1513)، المعروف تاريخيًا بلقب “البابا المحارب” (Il Papa Terribile)، إذ قاد شخصيًا حملات عسكرية مرتديًا درعًا فوق ثيابه الكهنوتية لتوسيع الأراضي البابوية الدنيوية، في سلوك أثار انتقادات حتى من داخل الكنيسة نفسها باعتباره تجسيدًا صارخًا لعلمنة المنصب الروحي الأعلى للمسيحية الغربية.

أما البابا ليو العاشر (1513-1521)، من عائلة ميديتشي الفلورنسية الثرية، فارتبط اسمه بفضيحة مالية-دينية ذات عواقب تاريخية بالغة الخطورة: التوسع الفاحش في بيع صكوك الغفران لتمويل إعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس الفخمة في روما ولتغطية نفقاته الشخصية الباذخة. عبّر ليو العاشر نفسه، بحسب رواية منسوبة إليه رغم الشك في دقتها الحرفية، عن استمتاعه الشخصي بثروة ومتع منصبه بعبارة “لنستمتع بالبابوية إذ منحنا الله إياها”. أدى هذا الاستغلال المالي الصريح للدين، وعلى رأسه نشاط الراهب الدومينيكاني يوهان تيتزل في بيع صكوك الغفران بألمانيا، إلى إشعال غضب الراهب الألماني مارتن لوثر مباشرة، الذي نشر “أطروحاته الخمس والتسعين” عام 1517 احتجاجًا على هذه الممارسة، في الشرارة التي أطلقت الإصلاح البروتستانتي بأكمله وشطرت المسيحية الغربية إلى الأبد.

الإصلاح الكاثوليكي ونهاية هذه الحقبة

أدت فضائح هذه الحقبات المتراكمة، وعلى رأسها صدمة الانشقاق البروتستانتي، إلى دفع الكنيسة الكاثوليكية نفسها لإطلاق حركة إصلاح داخلي واسعة عُرفت بـ”الإصلاح المضاد” أو الكاثوليكي، توّجها مجمع ترنت (1545-1563)، الذي فرض معايير أخلاقية وإدارية أكثر صرامة على اختيار البابوات ورجال الدين، وحدّ بشكل كبير، وإن لم يُنهِ كليًا، من هذا النمط الصارخ من الفساد الشخصي والمالي الذي طبع حقبات سابقة من تاريخ الكرسي البابوي.

خاتمة

يبقى من اللافت أن أغلب المعلومات المفصلة حول هذه الفضائح لم تأتِ من خصوم الكنيسة الخارجيين، بل من مصادر كنسية ومعاصرة داخلية بذاتها: راهب وقديس كالبطرس داميان، وبابا لاحق كفيكتور الثالث، ومؤرخون كاثوليك رسميون كالكاردينال بارونيوس نفسه. يعكس هذا التوثيق الداخلي إدراكًا مبكرًا داخل الكنيسة ذاتها لخطورة هذه الحقبات، وحاجتها الملحة للإصلاح، وهو ما يمنح هذا السجل التاريخي مصداقية أكاديمية راسخة تتجاوز أي اتهامات خارجية عابرة.

المصادر

  • Eamon Duffy, Saints and Sinners: A History of the Popes, 4th ed. (Yale University Press, 2014)
  • Liutprand of Cremona, Antapodosis و Historia Ottonis (مصدر معاصر أساسي لحقبة “العصر المظلم”)
  • Ferdinand Gregorovius, History of the City of Rome in the Middle Ages, Vol. III (George Bell & Sons, 1895)
  • Horace K. Mann, The Lives of the Popes in the Early Middle Ages (Kegan Paul, 1910)
  • Sarah Bradford, Cesare Borgia: His Life and Times (Weidenfeld & Nicolson, 1976)
  • Francesco Guicciardini, Storia d’Italia (1561) — مصدر إيطالي معاصر لحقبة بورجيا
  • Peter De Rosa, Vicars of Christ: The Dark Side of the Papacy (Bantam Press, 1988)
  • J.N.D. Kelly, The Oxford Dictionary of Popes (Oxford University Press, 1986)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *