Serbia korwatia war

مذابح الأوستاشا 1941-1945: ذبح الكاثوليك الكروات جيرانهم الصرب الأرثوذكس باسم التطهير الإلهي

المقدمة

بين عامي 1941 و1945، وفي ظل الاحتلال النازي والفاشي لدول البلقان خلال الحرب العالمية الثانية، نفّذت حركة “الأوستاشا” الكرواتية القومية المتطرفة، ذات الهوية الكاثوليكية الصريحة والمرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية الكرواتية بدرجات متفاوتة، حملة إبادة جماعية منهجية استهدفت بالدرجة الأولى الصرب الأرثوذكس المقيمين ضمن حدود “دولة كرواتيا المستقلة” العميلة للمحور، إلى جانب اليهود والروما. راح ضحية هذه الحملة، التي شملت مذابح ميدانية مباشرة ومعسكر اعتقال وإبادة سيئ الصيت في ياسينوفاتس، مئات الآلاف من الضحايا، في واحدة من أعنف حلقات العنف الديني-القومي المسيحي الداخلي في القرن العشرين، ارتُكبت جزئيًا تحت شعارات صريحة الطابع الديني الكاثوليكي المعادي للأرثوذكسية.

خلفية: تأسيس “دولة كرواتيا المستقلة”

عقب غزو قوات المحور (ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وحلفائهما) ليوغوسلافيا في أبريل 1941، أسست القوى المحتلة كيانًا عميلًا عُرف بـ”دولة كرواتيا المستقلة” (NDH)، ضمّ كرواتيا الحالية ومعظم البوسنة والهرسك، وسلّمت السلطة فيه لحركة الأوستاشا القومية الفاشية المتطرفة بقيادة أنتي بافيليتش، الذي حمل لقب “بوغلافنيك” (الزعيم) على غرار الألقاب الفاشية الأوروبية المعاصرة. تبنّت الأوستاشا أيديولوجيا قومية كرواتية متطرفة ترى في الصرب الأرثوذكس، الذين شكّلوا أقلية كبيرة تصل لنحو ثلث سكان الدولة الجديدة (نحو مليوني نسمة)، عنصرًا “دخيلًا” يهدد النقاء العرقي والديني للدولة الكرواتية الكاثوليكية الناشئة، إلى جانب معاداة صريحة لليهود والروما تماشيًا مع الأيديولوجيا النازية الأوسع.

سياسة “الثلث”: الإبادة والتحويل والطرد

أعلن مسؤولون بارزون في حكومة الأوستاشا، أبرزهم ميلي بوداك وزير التعليم والشؤون الدينية، سياسة صريحة تجاه الصرب عُرفت بصيغة “الثلث”: قتل ثلث الصرب، وطرد ثلثهم خارج حدود الدولة، وتحويل الثلث المتبقي قسرًا إلى الكاثوليكية. لم تكن هذه مجرد تصريحات خطابية عابرة، بل تُرجمت إلى سياسة تنفيذية فعلية طوال سنوات الحرب: نُفّذت حملات تحويل ديني قسري جماعي للصرب الأرثوذكس للكاثوليكية، غالبًا تحت تهديد مباشر بالقتل لمن يرفض، وأُغلقت الكنائس الأرثوذكسية أو حُوّلت لكاثوليكية، وحُظر استخدام الأبجدية السيريلية والهوية الصربية العلنية.

مجازر ميدانية وحشية

إلى جانب سياسة التحويل القسري، نفّذت ميليشيات الأوستاشا، بدعم أحيانًا من سكان محليين متعاطفين، سلسلة مجازر ميدانية مباشرة استثنائية الوحشية طالت قرى صربية بأكملها منذ الأشهر الأولى لتأسيس الدولة الجديدة صيف 1941. وثّق مؤرخون ومحاكم لاحقة (بما فيها محاكمات نورمبرغ ومحاكمات يوغوسلافية بعد الحرب) استخدام أساليب قتل بدائية شديدة الوحشية، شملت الذبح بالسكاكين والمناجل بدل الرصاص (جزئيًا لتوفير الذخيرة، وجزئيًا كأسلوب ترهيب متعمد)، وإحراق كنائس أرثوذكسية بمصلّين محتجزين بداخلها، وإلقاء ضحايا أحياء في حفر ووديان طبيعية عميقة كالمغارات الكارستية المنتشرة في المنطقة. شكّل بعض القساوسة الكاثوليك، وإن كانت أعدادهم محدودة نسبيًا مقارنة بمجمل الإكليروس الكاثوليكي الكرواتي، مشاركين مباشرين في بعض هذه المجازر أو محرّضين عليها، أبرزهم الراهب الفرنسيسكاني ميروسلاف فيليموفيتش، الذي قاد شخصيًا وحدة من الأوستاشا شاركت في مجازر موثقة ضد الصرب.

معسكر ياسينوفاتس

شكّل مجمّع معسكرات ياسينوفاتس، الذي أُنشئ اعتبارًا من أغسطس 1941 على ضفاف نهر سافا، أكبر وأشهر مركز إبادة أدارته الأوستاشا مباشرة (خلافًا لمعسكرات أخرى في المنطقة كانت تحت إدارة نازية مباشرة). عُرف ياسينوفاتس بقسوة استثنائية حتى مقارنة بمعايير معسكرات الاعتقال النازية الأخرى، إذ اعتمد حراسه على أساليب قتل يدوية مباشرة (السكاكين، المطارق، أدوات حادة مخصصة) بدل الغاز أو الرصاص في كثير من الحالات الموثقة، في مشاهد وصفها ناجون لاحقًا وموثقون في محاكمات ما بعد الحرب بأنها من أشد حلقات وحشية الحرب العالمية الثانية توثيقًا.

تتفاوت تقديرات عدد ضحايا ياسينوفاتس بشكل كبير بين مصادر مختلفة لأسباب سياسية وتاريخية معقدة (شملت تسييسًا للأرقام من الجانبين الصربي والكرواتي في عقود لاحقة)، إذ تتراوح التقديرات الأكاديمية الأكثر موثوقية، وفق مؤسسات بحثية متخصصة كمتحف ياسينوفاتس التذكاري ومركز أبحاث الهولوكوست الأمريكي (USHMM)، بين 80 ألفًا وأكثر من 100 ألف ضحية في المعسكر وحده، أغلبهم صرب، إلى جانب آلاف من اليهود والروما والمعارضين السياسيين الكروات أنفسهم.

دور الكنيسة الكاثوليكية الكرواتية: تواطؤ جزئي وإدانة جزئية متزامنة

يمثّل دور الكنيسة الكاثوليكية المؤسسية في هذه الأحداث موضوعًا بالغ التعقيد والحساسية التاريخية؛ فبينما لم تتبنَّ الكنيسة الكاثوليكية الكرواتية كمؤسسة رسمية سياسة الأوستاشا الإبادية بشكل معلن وكامل، ولم يصدر عنها أي إدانة صريحة وحاسمة وواسعة النطاق للمجازر طوال سنوات الحرب، فإن رئيس أساقفة زغرب حينها، الكاردينال ألويسيوس ستيبيناتس، اتخذ موقفًا مزدوجًا موثقًا تاريخيًا: بارك رسميًا تأسيس “دولة كرواتيا المستقلة” في مراحلها الأولى واعتبرها تحقيقًا لطموح كرواتي قومي مشروع طال انتظاره، بينما أدان لاحقًا، في مناسبات متفرقة خلال الحرب، بعض حالات العنف والتحويل القسري تحديدًا، وتدخّل شخصيًا لإنقاذ عدد موثق من اليهود والصرب الأفراد من الاضطهاد المباشر.

حُوكم ستيبيناتس بعد الحرب من قبل السلطات اليوغوسلافية الشيوعية الجديدة بتهمة التعاون مع نظام الأوستاشا، وأُدين وسُجن، في محاكمة اعتبرها كثير من الكاثوليك، خصوصًا في كرواتيا والفاتيكان، مسيّسة ومجحفة نظرًا لدوره التوثيقي في إنقاذ أفراد مهددين، بينما اعتبرها آخرون، خصوصًا في الأوساط الصربية واليهودية، غير كافية أصلًا لمحاسبته على صمته المؤسسي الطويل نسبيًا تجاه جرائم بهذا الحجم. طوّب البابا يوحنا بولس الثاني ستيبيناتس لاحقًا “طوباويًا” عام 1998، في قرار أثار جدلًا دوليًا واسعًا ومستمرًا حتى اليوم، خصوصًا من الجانبين الصربي الأرثوذكسي واليهودي.

نهاية الحرب والمحاسبة الجزئية

انهار نظام الأوستاشا مع تحرير يوغوسلافيا من قبل قوات الحزب الشيوعي بقيادة جوزيف بروز تيتو أواخر الحرب عام 1945، وفرّ الزعيم أنتي بافيليتش نفسه، مستفيدًا من شبكات تهريب دولية لمجرمي حرب النازية والفاشية (عُرفت لاحقًا بـ”طرق الفئران” Ratlines، وشملت بعضها مساعدة موثقة جزئيًا من مؤسسات كنسية كاثوليكية فردية في روما)، ونجا من أي محاكمة رسمية حتى وفاته في المنفى بإسبانيا عام 1959. حُوكم عدد محدود من مسؤولي الأوستاشا الآخرين، بمن فيهم مدير معسكر ياسينوفاتس، أمام محاكم يوغوسلافية ودولية بعد الحرب.

الإرث والذاكرة المتنازع عليها

لا تزال ذاكرة مذابح الأوستاشا وياسينوفاتس موضوعًا بالغ الحساسية والتسييس في منطقة البلقان حتى اليوم؛ إذ استُحضرت هذه الذاكرة التاريخية بشكل مباشر وصريح كأحد المكونات الدعائية المؤثرة خلال حروب يوغوسلافيا التفككية في تسعينيات القرن العشرين، حين استغلتها القيادة الصربية القومية لتبرير جزئي لعنفها اللاحق ضد الكروات والبوسنيين المسلمين، في دورة عنف واستحضار تاريخي متبادل معقدة تُظهر كيف يمكن لذاكرة إبادة جماعية حقيقية وموثقة تاريخيًا أن تُستغل سياسيًا لاحقًا لتبرير جرائم جديدة مختلفة تمامًا في سياقها.

المصادر

  • Jozo Tomasevich, War and Revolution in Yugoslavia, 1941–1945: Occupation and Collaboration (Stanford University Press, 2001)
  • Rory Yeomans, Visions of Annihilation: The Ustasha Regime and the Cultural Politics of Fascism, 1941–1945 (University of Pittsburgh Press, 2013)
  • United States Holocaust Memorial Museum (USHMM), مواد أرشيفية وبحثية حول ياسينوفاتس ودولة كرواتيا المستقلة
  • Yad Vashem, أرشيف موثق حول الهولوكوست في يوغوسلافيا ومعسكر ياسينوفاتس
  • Mark Biondich, “Religion and Nation in Wartime Croatia: Reflections on the Ustaša Policy of Forced Religious Conversions, 1941–1942”, The Slavonic and East European Review (2005)
  • Stella Alexander, The Triple Myth: A Life of Archbishop Alojzije Stepinac (Columbia University Press, 1987)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *