Critical Theology Study Workspace

«لاهوت التحرير» (A Theology of Liberation) لغوستافو غوتيريز: قراءة نقدية

بطاقة الكتاب

  • المؤلف: غوستافو غوتيريز (1928–2024)، كاهن ولاهوتي بيروفي من ليما. درس الطب في بلده، ثم الفلسفة واللاهوت في أوروبا (لوفان وليون)، ورُسم كاهناً سنة 1959. درّس في الجامعة الكاثوليكية البابوية في بيرو، وانضم إلى الرهبنة الدومينيكية سنة 1998، وتوفي في ليما في أكتوبر 2024.
  • الكتاب: صدر بالإسبانية سنة 1971 بعنوان «لاهوت التحرير: منظورات»، وبالإنجليزية سنة 1973 بعنوان «لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص». وصدرت طبعة منقّحة سنة 1988 بمقدمة جديدة ردّ فيها على بعض الانتقادات.
  • السياق: مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية في مدلين (1968)، وتفشّي الفقر، ورواج نظرية التبعية، وأثر الثورة الكوبية (1959)، والمجمع الفاتيكاني الثاني.
  • المكانة: يُعدّ النص التأسيسي لهذا التيار الذي غيّر خريطة اللاهوت الكاثوليكي في القرن العشرين.

نبذة عن الكتاب

  1. اللاهوت «فعل ثانٍ»: الفعل الأول هو الالتزام بالمحبة والخدمة، واللاهوت تأمل نقدي في هذه الممارسة على ضوء كلمة الله.
  2. نقد «التنمية»: يرى الكتاب أن فقر أمريكا اللاتينية ليس تأخراً عن اللحاق بالدول المتقدمة، بل هو نتيجة علاقة تبعية ببنى الاقتصاد العالمي. لذلك فالمطلوب تحرر وليس تنمية.
  3. ثلاثة مستويات للتحرير: تحرر اجتماعي وسياسي للمضطهدين، وتحرر إنساني عبر التاريخ يصنع «الإنسان الجديد»، وتحرر من الخطيئة يقود إلى الشركة مع الله.
  4. تاريخ واحد: لا يوجد تاريخ مقدس منفصل عن التاريخ العادي. فالخلاص يقع في التاريخ، وملكوت الله ينمو عبر التحرير من غير أن يتطابق معه.
  5. الخروج والأنبياء: الخروج من مصر حدث تحرر سياسي هو نموذج الخلاص، والأنبياء ينقدون الظلم، ويسوع يعلن ملكوتاً يغيّر العلاقات بين الناس.
  6. الفقر: له ثلاثة معانٍ: فقر مادي هو شر يجب مقاومته، وفقر روحي هو انفتاح على الله، وفقر تضامناً مع الفقراء واحتجاجاً على واقعهم.
  7. الكنيسة: ليس لها حياد أمام الظلم، والصراع الطبقي واقع، ولا يتعارض مع عالمية المحبة المسيحية.

النقد

هذا أقرب كتب القائمة إلى اهتمام العقل التوحيدي الأخلاقي: العدل، ونصرة المستضعفين، ونقد استغلال الإنسان. لذلك لا يتجه النقد إلى الغاية الأخلاقية، وإنما إلى الأسس المنهجية واللاهوتية التي بُنيت عليها.

1. الممارسة أولاً: دائرة مُعلَنة

يقرر الكتاب أن الالتزام يسبق اللاهوت، وأن الوحي يُقرأ من موقع المتضامن مع المضطهدين، وأن الحياد وهم.

  • الصدق في إعلان الانحياز فضيلة، فغوتيريز لا يدّعي موضوعية مجردة. لكن النتيجة أن القراءة لا تُقدَّم بوصفها ما يقوله النص بذاته، بل ما يقوله للملتزم.
  • الدائرة: الالتزام يحدد ما يُختار من النصوص (الخروج والأنبياء ولوقا 4: 18)، والنصوص المختارة تؤيد الالتزام. وتُسمّى هذه «الحلقة التأويلية»، وتكون مشروعة حين توجد وسيلة لتصحيحها. أما هنا فلا يُبيَّن ما الذي يمكن أن يُظهر أن القراءة خاطئة.
  • الأثر: من يقرأ من موقع سياسي مخالف يجد في الكتاب نفسه ما يوافقه، وقد حدث ذلك تاريخياً (انظر القسم 3). وحين يكون اللاهوت انعكاساً لموقف، لا تبقى للوحي سلطة مستقلة تحكم على الموقف.

2. الخروج: نموذج مُختار من سردية متعددة الوجوه

  • تاريخية الحدث: لا يوجد دليل مصري ولا أثري مباشر على خروج جماعي بالصورة الواردة في السفر. ويرى باحثون كثيرون أن الإسرائيليين نشأوا داخل كنعان (فنكلشتاين وسيلبرمان)، ويرى آخرون نواة تاريخية (كيتشن، وهوفماير). وهذا لا يمنع الاعتماد على السرد بوصفه ذاكرة إيمانية، لكنه لا يصلح أساساً لدعوى عن «مسار التاريخ» وأن الله يعمل فيه على هذا النحو.
  • السرد لا يقف عند التحرير: يتبع الخروج عهد سيناء، ثم أمر بإبادة سكان كنعان (تثنية 20: 16–18، ويشوع 6–11). فالنموذج الذي يُستدعى لنصرة المظلومين يحمل، في الكتاب نفسه، عنفاً على آخرين بأمر إلهي. وقد أبرز هذا مفكرون من داخل التراث الكتابي وخارجه، منهم روبرت واريور في مقاله «الكنعانيون والهنود» (1989) الذي قرأ فيه السرد من موقع الشعوب التي أُخذت أرضها.
  • المطلوب: أن يُبيَّن على أي أساس يؤخذ من الخروج معنى «التحرير» ويُترك معنى «الغزو»، إذ الاختيار هنا يجري بمعيار من خارج النص.

3. النص الواحد والقراءات المتعارضة: من يحكم؟

  • النصوص: في الكتاب المقدس نفسه ما استُعمل قروناً لتثبيت الأوضاع: طاعة العبيد لسادتهم (أفسس 6: 5، وكولوسي 3: 22، وتيطس 2: 9، و1 بطرس 2: 18)، وإرجاع أنسيموس إلى سيده (فليمون)، والخضوع للسلطات (رومية 13: 1–7)، وشريعة تجيز شراء العبيد من الأمم (لاويين 25: 44–46).
  • التاريخ: في أمريكا اللاتينية نفسها، التي يتحدث الكتاب باسم فقرائها، جرى الاستعمار بغطاء ديني. فقد أجازت مراسيم بابوية في القرن الخامس عشر استرقاق غير المسيحيين (1452)، ومنحت التاج الإسباني السيادة على الأراضي المكتشفة مع واجب التنصير (1493). وقام نظام «الإنكوميندا» على تسخير السكان الأصليين. وفي القرن التاسع عشر دافع لاهوتيون في الجنوب الأمريكي عن الرق بنصوص الكتاب، واستند دعاة الإلغاء إلى الخروج وغيره.
  • ما يترتب على ذلك: لم تحسم النصوص ولا التقليد هذه المسألة الأخلاقية الأساسية. وما حسمها هو حكم أخلاقي مستقل: كرامة الإنسان وقبح الاستغلال. والكتاب يعترف بأن الكنيسة كثيراً ما وقفت مع الأقوياء، ويعدّ التوبة عن ذلك جزءاً من رسالته. ومع أن هذا يُحسب له، فإنه يمسّ دعوى أن التقليد المُرشَد بالروح دليل موثوق. فإن أخطأ عقوداً وقروناً في مسألة بهذه الجلاء، فبأي معيار يُطمأن إلى قراءته اليوم؟ والجواب المعتاد: «تطور الفهم»، وهو ما ناقشناه في مقالات الكتب 49 و46 و45.
  • الفائدة العقلية: قوة الكتاب الأخلاقية تأتي من معيار يدركه العقل بلا وحي، وهو أن الاستغلال شر وأن للإنسان كرامة. والنصوص تُقرأ في ضوء هذا المعيار، لا العكس. وهذا يعني أن القضية الأخلاقية قائمة بذاتها، ولا تحتاج إلى الحزمة العقدية.

4. التحليل الاجتماعي: «أداة» مرهونة بنظرية

يستعمل الكتاب نظرية التبعية ومقولات ماركسية (الطبقة والصراع) أداة تحليل، ويؤكد أن ذلك لا يعني قبول الفلسفة الماركسية.

  • مصير النظرية: الصيغة القوية للتبعية، أي أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يولّد التخلف بالضرورة، لم تصمد أمام الوقائع. فقد نمت اقتصادات شرق آسيا (كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ) بدءاً من الستينيات والثمانينيات وهي مندمجة في السوق العالمية. وقد وصف كاردوسو وفاليتو، وهما من أعلام مدرسة التبعية، نماذج «تنمية مرتبطة تابعة». وأرجعت دراسات لاحقة أسباب التأخر إلى عوامل عدة، منها المؤسسات والتعليم والسياسات الاقتصادية والفساد. فمن يضع نظرية اجتماعية معينة أساساً لقراءة الكتاب المقدس يجعل «الكلمة» رهينة لمصيرها.
  • حياد الأداة: ما يُسمّى «أداة» يحمل تصوراً عن التاريخ، كأن الصراع الطبقي محرّكه. وقد قالت وثيقة مجمع عقيدة الإيمان (1984) إن التحليل لا ينفصل عن التصور الذي انبثق منه. وردّ المدافعون بأن الاستعمال انتقائي. وتبقى المسألة المنهجية قائمة: ما الذي يُظهر أن التحليل صحيح؟ إن كان الجواب «فعاليته في الصراع»، فالفعالية لا تدل على الصدق.

5. الخلاص والتحرير: «تاريخ واحد» و«متمايز غير منفصل»

يقرر الكتاب أن ملكوت الله ينمو في التحرير التاريخي، مع بقاء الملكوت أوسع منه، وأن المستويات الثلاثة للتحرير متمايزة لكنها غير منفصلة.

  • دعوى لا تُخطئها الوقائع: إن كان الخلاص يتحقق في التحرير التاريخي، فإخفاق حركات التحرر يقدح فيه. وإن كان الملكوت «غير محصور» في التحرير، فلا يوجد حدث يمكن أن يُعدّ ضده. وصيغة «متمايز غير منفصل» تحمي الدعوى من الحالين، وهي من جنس صيغة خلقيدونية التي وصفناها في مقالي الكتابين 45 و49: حدود سلبية تمنع الخطأ من جهتين ولا تفسّر العلاقة.
  • المستوى الثالث: التحرر من الخطيئة والشركة مع الله بطبيعته لا يُرصد. والمستويان الأولان يُرصدان، لكن الرابط بينهما وبين الثالث يقوم على قراءة لنصوص، وليس على دليل. فالقول إن النضال من أجل العدل «يبني الملكوت» لا يمكن اختباره.
  • الخطر العملي: كلما ارتبط الملكوت بالتاريخ ارتبطت الحركات السياسية بتفويض إلهي. والكتاب يحذّر من التماهي، لكن البنية تدعو إليه. وقد تجلى القلق من هذا في وثيقة 1984، وفي تجارب ثورية لاحقة في أمريكا اللاتينية وغيرها لم تحقق ما وُعد به.

6. «الاختيار التفضيلي للفقراء» وحياد العدل

الأساس الكتابي هنا قوي: الأنبياء (عاموس 2: 6–7، وإشعياء 10: 1–2)، والمزامير (146: 7–9)، وتثنية 10: 18، وطوبى الفقراء عند لوقا (6: 20). لكن في الكتاب نفسه نصوصاً تؤكد حياد الله وحياد القاضي:

  • «لا يأخذ بالوجوه» (تثنية 10: 17؛ رومية 2: 11؛ أعمال 10: 34).
  • «لا تحابِ فقيراً في دعواه» (خروج 23: 3)، و«لا تأخذ بوجه مسكين ولا تحترم وجه كبير» (لاويين 19: 15).
  • ويعقوب 2: 1–9 ينهى عن المحاباة للغني.

والتوفيق المعروف أن الله لا يحابي في الحكم، لكن العدل يقتضي أن تكون أولوية الحماية لمن هو أضعف. وهذا مبدأ أولوية الحاجة، وليس تفضيلاً بالمعنى الحرفي. غير أن لفظ «الاختيار» و«التفضيل» و«الانحياز» يوحي بأن الله يتخذ جانباً، وهو ما يختلف عن حياد العدل.

والأهم أن مبدأ أولوية الحاجة يُدافَع عنه فلسفياً دون افتراض إله (مبدأ الأولوية عند بعض الفلاسفة، ومبدأ الفرق عند رولز). فاللاهوت يضيف دافعاً، لكنه لا يضيف مضموناً أخلاقياً جديداً.

7. «الإنسان الجديد» واليوتوبيا

يربط الكتاب الأفق التاريخي بيوتوبيا: تحرر يصنع إنساناً جديداً ومجتمعاً مختلفاً نوعياً، وهي مرحلة يراها استباقاً لملكوت الله.

  • الافتراض الأنثروبولوجي: أن تغيير البنى ينتج بشراً مختلفين. وقد اختُبرت هذه الفكرة في القرن العشرين، ومنها «الإنسان السوفييتي الجديد» وتجارب أخرى مشابهة، ولم تُثبتها.
  • الخطر: اليوتوبيا التي تُعطى صبغة إلهية تجعل كل ثمن مقبولاً. ويؤكد الكتاب أن الملكوت عطية، لكن البرنامج العملي سياسي.

8. الفقراء كما يصفهم الكتاب والفقراء كما اختاروا

يتحدث الكتاب عن الفقراء ذاتاً للتاريخ، وعن «كنيسة الفقراء» ومجتمعاتها القاعدية.

  • من الوقائع الاجتماعية اللافتة أن الفقراء في أمريكا اللاتينية انتقلوا منذ السبعينيات بأعداد كبيرة إلى الكنائس الخمسينية والإنجيلية، وليس إلى المجتمعات القاعدية التي دعا إليها هذا التيار. فقد انخفضت نسبة الكاثوليك في المنطقة من نحو 90% سنة 1970 إلى نحو 70% بحسب دراسة مركز بيو (2014).
  • وهذا لا يبطل اللاهوت، لكنه يمسّ دعوى أنه يتكلم «من» خبرة الفقراء ونيابة عنهم. فالتعبير الديني الذي اختارته الجماعات الشعبية تركّز في الغالب على التوبة الفردية والشفاء والجماعة، وليس على التحليل البنيوي. وقد ناقش دارسون (منهم ديفيد مارتن وديفيد ستول) هذا التحول.

9. ما لا يتناوله الكتاب: العقيدة مفترضة

الكتاب لاهوت عملي، ويفترض العقائد الكلاسيكية دون مناقشتها: ألوهية المسيح، والثالوث، والفداء بالصليب، والكنيسة سراً. فالإشكالات التي عالجناها في مقالات الكتب السابقة تبقى قائمة، ولا يعالجها الكتاب.

وهنا توتر داخلي: إن كانت الحقيقة اللاهوتية تُختبر في الممارسة (الفعل الصحيح) قبل الصياغة العقدية، فما الحاجة إلى إبقاء الصياغة العقدية شرطاً؟ يقول غوتيريز إن الفعل الصحيح يكمّل الاعتقاد الصحيح ولا يحلّ محله، لكن منطق كتابه يجعل العقيدة تابعة. وبإمكان قارئ أن يقبل الإلحاح الأخلاقي دون أن يقبل الإطار العقدي الذي يقدَّم معه.

الخلاصة

«لاهوت التحرير» كتاب شجاع، وقوته الأخلاقية حقيقية: فقد أعاد إلى اللاهوت المسيحي مسألة العدل ومكانة الفقراء. لكن أسسه المنهجية تقوم على قراءة تبدأ من الالتزام وتنتقي النصوص، وعلى نموذج (الخروج) في سردية تجمع التحرير والغزو، وعلى نظرية اجتماعية لم تصمد أمام الوقائع، وعلى صيغة للعلاقة بين الخلاص والتاريخ لا تُخطئها الأحداث. وتاريخ القراءات المتعارضة للنص نفسه يبيّن أن قوته الأخلاقية مستمدة من معيار عقلي مستقل عن الوحي. ومن أراد نصرة العدل لا يحتاج إلى الإطار العقدي الذي يقدّمها به الكتاب.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *