السبي البابلي في أفينيون 1309-1377: سبعة عقود حكم فيها سبعة باباوات فرنسيون من قصر بعيد عن روما وسط اتهامات بالترف الفاحش
المقدمة
على مدى تسعة وستين عامًا، بين 1309 و1377، لم يحكم الكرسي البابوي من روما، مقره التاريخي منذ عهد القديس بطرس، بل من مدينة أفينيون الفرنسية، حيث تعاقب سبعة باباوات فرنسيون متتالون على منصب أعلى سلطة روحية في المسيحية الغربية، تحت نفوذ سياسي فرنسي مباشر لا يخفى على أحد. أطلق المعاصرون والمؤرخون اللاحقون على هذه الحقبة اسم “السبي البابلي” (Babylonian Captivity)، في إشارة استعارية متعمدة إلى سبي بني إسرائيل التاريخي في بابل، تعبيرًا عن إحساس عميق بأن البابوية قد فقدت استقلاليتها الروحية وتحولت إلى أداة سياسية فرنسية، وسط اتهامات متكررة بالترف المالي الفاحش والفساد الإداري الذي أثار غضب مصلحين دينيين بارزين ومهّد الطريق مباشرة للانشقاق الغربي الكارثي الذي تلاه.
خلفية: صراع بونيفاس الثامن مع فيليب الرابع
سبق انتقال البابوية إلى أفينيون صراع سياسي حاد بين البابا بونيفاس الثامن والملك الفرنسي فيليب الرابع (الملقب بـ”الجميل”)، حول حدود السلطة البابوية إزاء السلطة الملكية الفرنسية المتنامية، خصوصًا في مسألة حق الملك بفرض ضرائب على رجال الدين دون إذن بابوي. أصدر بونيفاس الثامن عام 1302 منشورًا بابويًا شهيرًا عُرف بـ”Unam Sanctam”، أكد فيه بشكل مطلق غير مسبوق خضوع كل السلطات الزمنية، بما فيها الملوك أنفسهم، لسلطة البابا الروحية العليا. ردّ فيليب الرابع بحملة عسكرية-سياسية مباشرة، أرسل خلالها مبعوثًا مسلحًا اعتقل بونيفاس الثامن مؤقتًا في قصره بأنياني عام 1303 (حادثة عُرفت بـ”صفعة أنياني”)، في إهانة رمزية غير مسبوقة أضعفت هيبة البابوية بشدة، وتوفي بونيفاس بعد أسابيع قليلة من هذه الصدمة، وإن اختلف المؤرخون حول العلاقة السببية المباشرة بين الحادثة ووفاته.
انتخاب كليمنت الخامس ونقل الكرسي
بعد فترة قصيرة شغلها البابا بنديكت الحادي عشر، انتخب مجمع الكرادلة عام 1305 أسقفًا فرنسيًا هو برتراند دو غو، الذي اتخذ اسم كليمنت الخامس، في انتخاب تم بضغط سياسي فرنسي مباشر واضح من فيليب الرابع الذي كان يسعى لضمان بابا موالٍ له بعد صراعه المرير مع بونيفاس الثامن. رفض كليمنت الخامس، لأسباب سياسية وأمنية متعددة تتعلق باستمرار الفوضى الإيطالية والنزاعات العائلية الرومانية العنيفة بين النبلاء المتنافسين على النفوذ داخل روما نفسها، الانتقال إلى روما بعد انتخابه، واستقر بدل ذلك في مدينة أفينيون الفرنسية عام 1309، التي كانت آنذاك أرضًا تابعة اسميًا لمملكة نابولي لكنها محاطة بأراضي الكونتية البابوية في كومتا فينيسان المجاورة، مما وفّر غطاءً قانونيًا شكليًا لاستقلالية البابوية رغم قربها الجغرافي والسياسي الواضح من فرنسا.
سبعة باباوات فرنسيون متتالون
تعاقب على الكرسي البابوي في أفينيون سبعة باباوات، جميعهم فرنسيون دون استثناء: كليمنت الخامس (1305-1314)، يوحنا الثاني والعشرون (1316-1334)، بنديكت الثاني عشر (1334-1342)، كليمنت السادس (1342-1352)، إنوسنت السادس (1352-1362)، أوربان الخامس (1362-1370)، وغريغوري الحادي عشر (1370-1378، الذي أعاد الكرسي لروما قبيل وفاته). عكس هذا التتابع الحصري الفرنسي هيمنة الكرادلة الفرنسيين العددية على مجمع الانتخاب طوال هذه الحقبة، إذ عيّن كل بابا متعاقب أعدادًا إضافية من الكرادلة الفرنسيين لضمان استمرارية هذا النمط، مما عزز تدريجيًا الطابع الفرنسي شبه الحصري للمؤسسة البابوية العليا.
الترف الفاحش والاتهامات المالية
أثار البلاط البابوي في أفينيون انتقادات واسعة ومتكررة بسبب ترفه المالي الملحوظ وأساليبه الإدارية والمالية التي اعتبرها كثيرون استغلالية بامتياز؛ فقد طوّر البابوات الأفينيونيون، خصوصًا يوحنا الثاني والعشرون المعروف بمهارته المالية الاستثنائية، نظامًا ماليًا مركزيًا متطورًا لجباية الضرائب الكنسية من عموم أوروبا الكاثوليكية بكفاءة غير مسبوقة، شمل رسومًا على تعيين الأساقفة (أنافاتا) وضرائب متنوعة أخرى، مما جمع ثروات هائلة للخزينة البابوية، استُخدم جزء كبير منها لبناء قصر بابوي أفينيوني فخم استثنائي الضخامة (لا يزال قائمًا حتى اليوم كأحد أكبر المباني القوطية في أوروبا)، ولتمويل أسلوب حياة بلاطي فخم قارنه معاصرون منتقدون بشكل صريح بترف البلاطات الملكية الدنيوية أكثر منه بالتواضع الروحي المتوقع من مقر الكنيسة الجامعة.
انتقد الشاعر الإيطالي الشهير فرانشيسكو بترارك، أحد أبرز مثقفي عصره ومعاصر مباشر لهذه الحقبة، البلاط الأفينيوني بلهجة لاذعة في رسائله وأشعاره، واصفًا أفينيون بأنها “بابل الغرب” غارقة في “الفساد والجشع والانحلال الأخلاقي”، ومستحضرًا صراحة الاستعارة التوراتية للسبي البابلي التي أصبحت لاحقًا الاسم الشائع لهذه الحقبة بأكملها في التأريخ اللاحق.
القديسة كاترين السيينية وضغط العودة لروما
مارست شخصيات دينية بارزة ضغطًا روحيًا وسياسيًا مباشرًا لإقناع البابوية بالعودة إلى روما، أبرزها القديسة كاترين السيينية، الناشطة الدينية الإيطالية المؤثرة التي راسلت البابا غريغوري الحادي عشر شخصيًا برسائل متكررة حاسمة اللهجة، حثته فيها على التخلي عن “السجن الذهبي” الأفينيوني والعودة لمقره الروماني الشرعي التاريخي، معتبرة استمرار الغياب عن روما إهانة مباشرة لذكرى القديسين بطرس وبولس وتضييعًا لهيبة الكنيسة الروحية. أسهمت هذه الضغوط، إلى جانب ضغوط سياسية إيطالية متصاعدة أخرى واستقرار نسبي أكبر في الأوضاع الرومانية، في إقناع غريغوري الحادي عشر أخيرًا بإعادة الكرسي البابوي رسميًا إلى روما عام 1377.
نهاية السبي البابلي وبداية أزمة أعمق
لم تحقق عودة غريغوري الحادي عشر لروما الاستقرار المرجو؛ فقد توفي بعد عام واحد فقط من عودته، وأدى الانتخاب المضطرب الذي تلا وفاته مباشرة، وسط ضغط شعبي روماني مسلح مطالب بانتخاب بابا إيطالي، إلى أزمة أعمق وأخطر بكثير: الانشقاق الغربي (1378-1417)، حين انقسمت البابوية بين مدعين متنافسين في روما وأفينيون معًا لأربعين عامًا إضافية، في أزمة اعتبرها كثير من المؤرخين استمرارًا مباشرًا وتصعيدًا لأزمة الشرعية والاستقلالية التي زرعتها حقبة السبي البابلي الأفينيوني نفسها.
الإرث
خلّف السبي البابلي في أفينيون أثرًا عميقًا ودائمًا على المؤسسة البابوية؛ إذ أضعف بشكل جوهري هيبتها الروحية المستقلة في نظر كثير من المؤمنين والمثقفين الأوروبيين، الذين رأوا فيها لأول مرة بوضوح كامل مؤسسة خاضعة عمليًا لنفوذ دولة زمنية واحدة (فرنسا)، مما أسهم في تآكل تدريجي لسلطتها الأخلاقية المطلقة استحضره لاحقًا مصلحون بروتستانت كمارتن لوثر كدليل تاريخي إضافي على قابلية البابوية للفساد والخضوع السياسي الدنيوي. لا يزال القصر البابوي في أفينيون قائمًا حتى اليوم كموقع تراث عالمي لليونسكو، شاهدًا معماريًا ضخمًا على حقبة استثنائية جمعت بين الثراء المادي الفاحش والأزمة الروحية العميقة في قلب المسيحية الغربية.
المصادر
- Guillaume Mollat, The Popes at Avignon, 1305–1378, trans. Janet Love (Thomas Nelson & Sons, 1963)
- Yves Renouard, The Avignon Papacy, 1305–1403 (Faber & Faber, 1970)
- Diana Wood, Clement VI: The Pontificate and Ideas of an Avignon Pope (Cambridge University Press, 1989)
- Bernard Guillemain, La cour pontificale d’Avignon, 1309–1376: étude d’une société (E. de Boccard, 1962)
- Francesco Petrarca (بترارك)، رسائله ومقالاته اللاذعة حول أفينيون (مصدر معاصر أولي)
- Catherine of Siena, رسائلها المحفوظة إلى البابا غريغوري الحادي عشر (مصدر معاصر أولي)


لا يوجد تعليق