معركة نهر البوين 1690: اللحظة التي حسمت مصير أيرلندا الكاثوليكية على يد ملك بروتستانتي هولندي
المقدمة
في الأول من يوليو عام 1690 (بحسب التقويم القديم؛ الثاني عشر من يوليو بالتقويم الحديث، وهو التاريخ الذي لا يزال يُحتفل به سنويًا)، اشتبك جيشان على ضفاف نهر البوين في شرق أيرلندا: جيش الملك الكاثوليكي المخلوع جيمس الثاني، المدعوم بقوات فرنسية وأيرلندية كاثوليكية، وجيش الملك وليام الثالث الأورانج البروتستانتي الهولندي الأصل، الذي كان قد أطاح بجيمس نفسه من عرش إنجلترا قبل عامين فقط. انتهت المعركة بانتصار حاسم لوليام، ورغم أن خسائرها البشرية المباشرة كانت محدودة نسبيًا مقارنة بمعارك أوروبية أخرى في تلك الحقبة، فإن نتائجها السياسية والدينية كانت عميقة الأثر: رسّخت الهيمنة البروتستانتية على أيرلندا لقرنين ونصف قادمين، وحوّلت هوية وليام إلى رمز طائفي لا يزال محتفى به سنويًا حتى اليوم في مسيرات “الأورانج” الاحتفالية في أيرلندا الشمالية، غالبًا وسط توتر طائفي متجدد.
خلفية: الثورة المجيدة وفرار جيمس الثاني
اعتلى جيمس الثاني عرش إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا عام 1685، وكان كاثوليكيًا معلنًا في مملكة بروتستانتية راسخة منذ عقود، مما أثار قلقًا متصاعدًا بين النخبة السياسية البروتستانتية الإنجليزية، خصوصًا بعد أن أنجب جيمس وريثًا ذكرًا كاثوليكيًا عام 1688، مهددًا باستمرار سلالة كاثوليكية حاكمة طويلة الأمد. استجابة لهذا القلق، دعا عدد من كبار النبلاء الإنجليز الأمير الهولندي وليام الأورانج، زوج ماري ابنة جيمس الثاني نفسه (والبروتستانتية بدورها)، للتدخل عسكريًا. نزل وليام في إنجلترا في نوفمبر 1688 بقوة عسكرية محدودة نسبيًا لكنها كافية لإحداث انهيار سريع في الدعم العسكري والسياسي لجيمس، الذي فرّ إلى فرنسا دون قتال يُذكر، فيما عُرف لاحقًا بـ”الثورة المجيدة” البريطانية.
لكن جيمس لم يتخلَّ عن مطالبته بالعرش؛ فبدعم عسكري ومالي مباشر من الملك الفرنسي الكاثوليكي لويس الرابع عشر، الذي رأى في استعادة جيمس فرصة استراتيجية لإضعاف وليام ومنافسته المتصاعدة على النفوذ الأوروبي، أبحر جيمس إلى أيرلندا الكاثوليكية بأغلبيتها الساحقة في مارس 1689، حيث حظي بدعم شعبي وعسكري واسع من النبلاء والفلاحين الأيرلنديين الكاثوليك، الذين رأوا في استعادته فرصة لعكس عقود من مصادرة الأراضي والتمييز القانوني البروتستانتي الذي عانوا منه منذ حملات كرومويل والمستوطنين البروتستانت السابقين.
الاستعدادات والقوتان المتقابلتان
بعد أن ثبّت جيمس سيطرته على معظم أيرلندا باستثناء بعض المعاقل البروتستانتية الشمالية المحاصرة كمدينة درّي، قرر وليام الثالث القيادة الشخصية المباشرة لحملة عسكرية لإخضاع أيرلندا واستعادة السيطرة الكاملة، فنزل بجيش كبير ومتعدد الجنسيات في يونيو 1690، ضمّ إلى جانب قوات إنجليزية وهولندية واسكتلندية، وحدات دانماركية وألمانية بروتستانتية، بل وحتى قوات كاثوليكية من دول أوروبية معادية لفرنسا سياسيًا أكثر من كونها متحالفة دينيًا مع جيمس (كقوات بابوية محدودة من الدولة البابوية نفسها، التي كانت في تلك اللحظة السياسية المحددة في خصومة مع لويس الرابع عشر الكاثوليكي، مما يُظهر تعقيد التحالفات السياسية التي تجاوزت أحيانًا الانقسامات الدينية الصرفة).
بلغ جيش وليام نحو 36 ألف جندي، متفوقًا عدديًا وتسليحًا على جيش جيمس الذي ضم نحو 23 ألف جندي، أغلبهم أيرلنديون كاثوليك سيئو التدريب والتسليح نسبيًا مقارنة بالقوات الفرنسية النظامية المحدودة التي أرسلها لويس الرابع عشر لدعمه.
المعركة
التقى الجيشان على ضفاف نهر البوين قرب بلدة دروغيدا (نفس المدينة التي شهدت مجزرة كرومويل الشهيرة قبل أربعين عامًا فقط)، واختار وليام تكتيكًا يجمع بين هجوم تثبيتي مباشر عبر النهر وحركة التفافية لتطويق جناح جيش جيمس. رغم مقاومة أيرلندية-فرنسية عنيدة في مراحل معينة من المعركة، تمكنت قوات وليام الأكبر عددًا والأفضل تنسيقًا من عبور النهر وإجبار جيش جيمس على انسحاب منظم نسبيًا، وإن كان انسحابًا يحمل طابع هزيمة استراتيجية واضحة أكثر منه انهيارًا عسكريًا كاملًا فوريًا.
بلغت الخسائر البشرية المباشرة في المعركة نفسها محدودة نسبيًا بمعايير حروب تلك الحقبة (تقديرات تتراوح بين ألف وألفي قتيل من الجانبين مجتمعين)، لكن دلالتها الرمزية والاستراتيجية فاقت بكثير حجمها العسكري المباشر: فرّ جيمس الثاني من ساحة المعركة نفسها إلى فرنسا فورًا تقريبًا، تاركًا قواته المتبقية وأنصاره الأيرلنديين الكاثوليك يواصلون القتال بمفردهم لأشهر إضافية دون قيادته المباشرة، في قرار اعتبره كثير من الأيرلنديين الكاثوليك المخلصين له لاحقًا خيانة مباشرة أكسبته لقبًا ساخرًا باقيًا في الذاكرة الأيرلندية: “سيامس الفار” (Séamus an Chaca، بمعنى “جيمس القذر” أو “جيمس الفار” بالأيرلندية).
ما بعد المعركة: معاهدة ليمريك والقوانين الجزائية
لم تنتهِ الحرب الأيرلندية فورًا بمعركة البوين نفسها؛ إذ واصلت القوات الكاثوليكية الأيرلندية والفرنسية المتبقية مقاومة منظمة لعام إضافي كامل، خصوصًا في معارك أثيرلون وأوغريم، قبل أن تنتهي الحرب رسميًا بمعاهدة ليمريك عام 1691، التي منحت شروطًا استسلام مشرّفة نسبيًا للقوات الكاثوليكية المهزومة، سمحت لعشرة آلاف جندي أيرلندي كاثوليكي (عُرفوا لاحقًا بـ”الغربان البرية” Wild Geese) بالهجرة والانخراط في الخدمة العسكرية الفرنسية بدل الاستسلام المذل المباشر، مع وعود أولية بحماية محدودة لحقوق الملكية والعبادة الدينية للكاثوليك المتبقين في أيرلندا.
لكن هذه الوعود لم تُحترم فعليًا؛ فقد أصدر البرلمان الأيرلندي البروتستانتي، بدعم من لندن، سلسلة قوانين تمييزية صارمة عُرفت مجتمعة بـ”القوانين الجزائية” (Penal Laws) خلال العقود التالية مباشرة، حرمت الكاثوليك الأيرلنديين من حق التصويت والترشح السياسي وملكية الأراضي بحرية وتعليم أبنائهم كاثوليكيًا علنًا وحمل السلاح ومزاولة مهن قانونية وعسكرية عديدة، في نظام تمييز مؤسسي شامل استمر فعليًا لقرن كامل تقريبًا، رسّخ الهيمنة السياسية والاقتصادية البروتستانتية على أيرلندا الكاثوليكية بأغلبيتها الساحقة حتى إصلاحات “تحرير الكاثوليك” التدريجية في القرن التاسع عشر.
الإرث المستمر حتى اليوم
يبقى إرث معركة البوين حاضرًا بقوة استثنائية في الذاكرة السياسية والطائفية لأيرلندا الشمالية حتى القرن الحادي والعشرين؛ إذ تحتفل الجالية البروتستانتية الأورانجية هناك سنويًا في الثاني عشر من يوليو بذكرى المعركة عبر مسيرات ضخمة، تُعتبر من قبل كثير من الكاثوليك المحليين استفزازًا طائفيًا متعمدًا يستحضر تاريخًا من الهيمنة والتمييز، بينما يراها الأورانجيون احتفالًا مشروعًا بتراثهم وهويتهم البروتستانتية التاريخية. لا يزال هذا التوتر الرمزي المستمر حول ذكرى معركة وقعت قبل أكثر من ثلاثة قرون يمثّل أحد أوضح الأمثلة المعاصرة على كيف يمكن لحدث تاريخي ديني-سياسي بعيد الزمن أن يظل مصدرًا فعليًا للتوتر الطائفي الحي حتى يومنا هذا.
المصادر
- J.G. Simms, Jacobite Ireland, 1685–91 (Routledge & Kegan Paul, 1969)
- Piers Wauchope, Patrick Sarsfield and the Williamite War (Irish Academic Press, 1992)
- W.A. Speck, James II (Longman, 2002)
- Tony Claydon, William III (Longman, 2002)
- S.J. Connolly, Religion, Law, and Power: The Making of Protestant Ireland, 1660–1760 (Oxford University Press, 1992) — للقوانين الجزائية وسياقها
- Richard Doherty, The Williamite War in Ireland, 1688–1691 (Four Courts Press, 1998)


لا يوجد تعليق