بطاقة الكتاب
- المؤلف: ياروسلاف بيليكان (1923–2006)، مؤرخ أمريكي للعقيدة المسيحية. بدأ قسّاً لوثرياً، ثم درّس في جامعة شيكاغو وبعدها في جامعة ييل، وكان فيها أستاذاً بدرجة «ستيرلنغ». انضم سنة 1998 إلى الكنيسة الأرثوذكسية في أمريكا، أي بعد إتمام الكتاب.
- الكتاب: خمسة مجلدات نشرتها مطبعة جامعة شيكاغو بين 1971 و1989.
- طبيعته: تاريخ للعقيدة وليس كتاب لاهوت نظامي ولا دفاعاً عن مذهب. لذلك يختلف النقد هنا عن مقالات الكتب السابقة، فهو يتناول إطار الكتاب ومفاهيمه، ثم ما تكشفه المادة التي يعرضها.
نبذة عن الكتاب
يعرّف بيليكان العقيدة بأنها ما تؤمن به كنيسة المسيح وتعلّمه وتعترف به استناداً إلى كلمة الله. ثم يتتبع تشكّلها عبر الأجيال في خمسة مجلدات:
- ظهور التقليد الجامع (100–600م): الجدل مع اليهودية والفلسفة اليونانية، والغنوصية ومرقيون، وقانون الإيمان، والثالوث والمسيح من نيقية إلى خلقيدونية، وأوغسطين والنعمة.
- روح المسيحية الشرقية (600–1700م): اللاهوت البيزنطي، وأزمة الأيقونات، ويوحنا الدمشقي، وفوتيوس والفيليوكي، وبالاماس، والأرثوذكسية تحت الحكم العثماني.
- نمو اللاهوت في العصور الوسطى (600–1300م): الجدل على الإفخارستيا، وأنسلم، والنظام الأسراري، والمدرسية وتوما الأكويني.
- إصلاح الكنيسة والعقيدة (1300–1700م): لوثر وكالفن، والإصلاح الراديكالي والموحّدون، وترنت، والاعترافات الإيمانية.
- العقيدة المسيحية والثقافة الحديثة (منذ 1700م): الاستنارة، والنقد التاريخي للكتاب، وشلايرماخر، وداروين، والفاتيكان الأول والثاني، والحركة المسكونية.
ومن أشهر ما كتبه في المنهج التفريق بين «التقليد» (إيمان الموتى الحي) و«التقليدية» (إيمان الأحياء الميت)، وقد جاء في محاضرته «الدفاع عن التقليد» (1983). وهو يضع التقليد مورداً حياً للجماعة يُنمّى ويُعاد النظر فيه، وليس مستودعاً جامداً.
النقد
1. تعريف العقيدة وفكرة «الكنيسة الواحدة»
يبدأ الكتاب بتعريف العقيدة بأنها ما «تؤمن به الكنيسة وتعلّمه وتعترف به». وهذا التعريف يخدم النقد قبل أي شيء آخر، لأنه يقدّم العقيدة بوصفها واقعة اجتماعية تاريخية: ما تعترف به جماعة في زمن معين. أما مصدر هذا الاعتراف فالكتاب لا يحكم فيه، فهو يصف ولا يقيّم.
لكن التعريف يفترض أن الموضوع «كنيسة» واحدة تمتد عبر القرون، وأن التاريخ تاريخ تقليد واحد. والمادة نفسها تخالف هذا الافتراض:
- بعد خلقيدونية (451م) بقيت كنائس مصر وسوريا وأرمينيا وإثيوبيا خارج القرار، إلى اليوم.
- بعد 1054 صار الشرق والغرب جماعتين متمايزتين.
- بعد القرن السادس عشر انضاف إليهما الإصلاح بفروعه.
فكل مجلد في السلسلة يروي في الحقيقة تقليداً مختلفاً، ولهذا تختلف عناوين المجلدات نفسها: «التقليد الجامع»، ثم «روح المسيحية الشرقية»، ثم «اللاهوت في العصور الوسطى»، ثم «الإصلاح». فالوحدة التي يفترضها العنوان العام لا تتحقق في بنية السلسلة.
ويدخل هنا خلاف علمي معروف حول مفهوم «الهرطقة». اقترح والتر باور (1934، وترجمته الإنجليزية 1971) أن ما سُمّي هرطقة كان في بعض الأقاليم أول أشكال المسيحية فيها، وأن الاتجاه «الأرثوذكسي» انتصر بمرور الوقت. وأطروحته موضع نقاش حاد، ويرى كثير من الباحثين أنها مبالغ فيها. لكن حتى نقّادها يقرّون بأن المؤرخ لا يستطيع أن يفترض سلفاً أن الجذع الذي انتصر هو الأصل. وقد اختار بيليكان أن يسمّي مجلده الأول «ظهور التقليد الجامع»، وهي تسمية تتبنى من البداية زاوية رؤية المنتصر.
2. مجاز «النمو»
عنوان الكتاب الفرعي «تاريخ نموّ العقيدة» يستعير استعارة عضوية: بذرة تصير شجرة. وتفترض الاستعارة أن اللاحق كان كامناً في السابق، فيكون التغيير كشفاً لما كان موجوداً.
- الاستعارة ليست حجة. يمكن وصف الوقائع نفسها بصيغة أخرى: تغيير في المفردات والمفاهيم أدّى إلى صياغات لم تكن معروفة للجيل الأول. وليس في المادة التاريخية ما يرجّح إحدى الصيغتين، فالترجيح يأتي من موقف الناظر.
- غياب المعيار. تسمح فكرة النمو بقبول أي تغيير على أنه استمرار، ولا يوجد ما يُظهر متى يكون التغيير نمواً ومتى يكون انحرافاً. ويمكن لأي جماعة أن تسمّي ما وصلت إليه «نمواً» وما وصل إليه غيرها «فساداً». وقد وضع نيومان في «مقالة في تطور العقيدة المسيحية» (1845) معايير لهذا، لكنها معايير تُطبَّق بعد وقوع التطور، وتبقى محل خلاف بين الكنائس.
- حجة «التقليد الحي». إذا كان التقليد حياً ومتغيراً بطبيعته، فلا يصح الاحتجاج به بوصفه ما تلقّاه الرسل. فإما أنه حفظ ما سُلِّم مرة واحدة، وإما أنه يتطور. ولا يجوز أن يُحتج به بالمعنيين معاً.
3. ما تكشفه الوقائع في المجلدين الأول والثاني
تُظهر المادة التي يجمعها بيليكان أن العقائد المحورية اتخذت صيغها بعد أجيال من الجدل، وبمشاركة واضحة للسلطة السياسية:
- نيقية (325) وما بعدها: دعا الإمبراطور قسطنطين إلى المجمع وأدار جلساته وأيّد قراره. ولكن بعد نحو عقد نُفي أثناسيوس (335) في عهد الإمبراطور نفسه، وتعمّد قسطنطين على يد أسقف ميّال إلى الأريوسية قبيل وفاته (337). وبقيت قضية ألوهية الروح القدس مفتوحة حتى مجمع القسطنطينية (381) في عهد ثيودوسيوس، الذي أعلن نيقية ديناً للدولة سنة 380.
- الروح القدس: ذكر مؤرخو العقيدة أن باسيليوس، في كتابه «في الروح القدس»، تحاشى أن يقول صراحة إن الروح إله، وأن ذلك أزعج غريغوريوس النزينزي. فحتى كبار الآباء الذين صاغوا العقيدة كانوا مترددين في العبارة المطلوبة.
- أفسس وخلقيدونية: عُزل نسطور في أفسس (431) قبل وصول وفد أنطاكية، وعقد الوفد مجمعاً موازياً. ثم أعاد مجمع أفسس الثاني (449) الاعتبار لأوطيخا، وسمّاه البابا لاون «مجمع اللصوص»، ثم نقضه مجمع خلقيدونية (451). ولم تقبل خلقيدونية الكنائس القبطية والسريانية والأرمنية والإثيوبية، فبقيت خارجها. وانتهت حوارات القرن العشرين بينها وبين الكنائس الخلقيدونية إلى بيانات مشتركة تقول إن الفريقين حفظا الإيمان نفسه بعبارات مختلفة. أي أن خلافاً دام نحو خمسة عشر قرناً، وتخللته اضطهادات وحروم، رآه المتحاورون في النهاية خلافاً في العبارة إلى حد كبير.
- الأيقونات: أعلن مجمع هيريا (754) أن تكريم الأيقونات شرك، ثم قرر مجمع نيقية الثاني (787) الضد وحرم المخالفين. وعاد الحظر سنة 815، ثم رُفع نهائياً سنة 843. وكل من المجمعين ادّعى أنه يمثّل الكنيسة الجامعة. وفي الغرب رفض مجمع فرانكفورت (794) قرار نيقية الثاني، ويرى كثير من المؤرخين أن ذلك تأثّر بترجمة لاتينية رديئة لقراراته.
- الفيليوكي: أُضيفت عبارة «ومن الابن» إلى قانون الإيمان في إسبانيا (589)، وتبنّاها الفرنجة، ولم تدخل الصيغة الرسمية في روما إلا سنة 1014. ومع أن مجمع أفسس نهى عن تعديل الصيغة الإيمانية، فقد صارت الإضافة من أسباب الانشقاق.
وفي هذه الوقائع درس واضح: القرارات التي يقال إنها حسمت الإيمان الصحيح تراجعت بعض الأحيان عن قرارات سابقة، وكان لها أثر سياسي لا يقل عن أثرها العقدي.
4. المجلد الخامس: عقيدة تُعاد صياغتها تحت الضغط
يتناول المجلد الأخير الفترة التي واجهت فيها العقيدة الاستنارة والنقد التاريخي وعلوم الطبيعة. وتظهر فيه صورة متكررة: تُدافَع العقيدة أولاً بصيغتها القائمة، ثم يُعاد تفسيرها بعد أن يستقر الأمر لصالح الدليل.
- أعلن الفاتيكان الأول عصمة البابا سنة 1870 رغم معارضة قوية من أساقفة كثيرين، وانشقت عن الكنيسة الكاثوليكية جماعة «الكاثوليك القدامى» احتجاجاً عليه. فآخر عقائد الكاثوليكية الكبرى جاءت بعد ثمانية عشر قرناً، وبعد جدل داخلي حاد.
- تحوّل موقف كنائس كثيرة من التطور ومن النقد التاريخي للكتاب المقدس من الرفض إلى القبول بدرجات متفاوتة، وبقي الرفض قائماً عند بعضها. ومصطلح «النمو» يصبح هنا غطاءً لعمليات الانسحاب التدريجي من مواقف سابقة.
والسؤال الذي تثيره هذه الصورة: كيف نميّز بين التطوير المشروع والتراجع أمام الضغط؟ الكتاب لا يعطي جواباً، وهذا متوقع من مؤرخ لا يدّعي الحكم.
5. معضلة الوضوح
أهم ما يترتب على مادة الكتاب مأزق يمكن صياغته هكذا:
- إن كانت العقائد المحورية (التثليث، وألوهية المسيح، والطبيعتان) قد عُلّمت بوضوح على لسان المسيح والرسل، فلماذا احتاج الأمر إلى ثلاثة قرون من الجدل، ومفردات لم يعرفها الجيل الأول، ومجامع تناقضت قراراتها، وأساقفة كبار توقفوا في بعض العبارات؟
- وإن لم تُعلَّم بوضوح، فما الأساس الذي يوجب الإيمان بها حرفياً شرطاً للخلاص؟ فالقانون المنسوب إلى أثناسيوس («قانون الإيمان الأثناسي») يقرر هلاك من لا يحتفظ بالإيمان الجامع كاملاً، وهو نص لاتيني ظهر بعد أثناسيوس بأجيال ولا تصح نسبته إليه.
الكتاب لا يجيب عن هذا لأنه ليس مشروعه، لكن مادته هي التي تطرح السؤال. ومن يقرأ خمسة مجلدات عن تدرج العقائد ثم يقال له إنها وحي واضح مسلَّم سيجد صعوبة في الجمع بين الأمرين.
6. ما لا يظهر في الصورة
- التاريخ الفكري أكثر من تاريخ السلطة. يغلب على الكتاب عرض النصوص والمجامع والمناظرات، ويقل الاهتمام بأدوات الضغط الاجتماعي والاقتصادي، وبعقائد العامة وعباداتهم، وبأصوات النساء والجماعات المهمّشة. ومع ذلك يقدّم الكتاب فسحة معقولة للمخالفين، فقد أدرج في المجلد الرابع الإصلاح الراديكالي والموحّدين (السوسينيين).
- التاريخ الموجَّه. لا يكفي الحياد المعلن. فاختيار ما يُعدّ «عقيدة» وما يُعدّ «هامشاً» يحدد الصورة النهائية. وبيليكان يعرف هذا، لكن نبرة الكتاب تميل إلى وصف مسار مستمر.
7. حجة القِدَم
يقدّم الكتاب ضمناً حجة أن طول الاستمرار وعمق الجذور يمنحان العقيدة وزناً. وهذه الحجة لا تُثبت الصدق:
- تملك تقاليد كثيرة متعارضة قدماً واستمراراً.
- والتقليد الذي بقي هو الذي دعمته مؤسسة قوية أو دولة، وليس بالضرورة الأصح.
- والتفريق بين «التقليد الحي» و«التقليدية الميتة» يعتمد على معيار خارجي للحكم، وهو غير موجود.
الخلاصة
«التقليد المسيحي» عمل علمي ضخم، وهو من أفضل ما كُتب في تاريخ العقيدة، ولا يُتّهم صاحبه بسوء النية. لكن مادته تقول شيئاً أبلغ من إطاره: العقائد التي تُقدَّم اليوم على أنها أسس الإيمان تشكلت عبر قرون من الجدل، وبمفردات متأخرة، وبقرارات تراجعت بعضها عن بعض، وبمشاركة سلطات سياسية، وفي تقاليد انقسمت ولا يزال كل منها يدّعي أنه الأصل. والاستعارة العضوية التي يستعملها الكتاب تصف هذا كله بأنه «نمو»، لكنها لا تجيب عن سؤال القارئ: ما الذي يضمن أن ما وصلنا إليه هو ما أراده الله، وليس ما استقر عليه المتخاصمون؟


لا يوجد تعليق