Reformed Dogmatics

بطاقة الكتاب

  • المؤلف: هرمان بافينك (1854–1921)، لاهوتي هولندي إصلاحي. درّس في المدرسة اللاهوتية بكامبن، ثم في الجامعة الحرة بأمستردام، وخلف فيها أبراهام كايبر سنة 1902.
  • الكتاب: «Gereformeerde Dogmatiek» في أربعة مجلدات. صدرت طبعته الأولى بين 1895 و1901، والثانية المنقّحة بين 1906 و1911. وصدرت ترجمته الإنجليزية الكاملة بين 2003 و2008 بتحرير جون بولت وترجمة جون فريند.
  • مكانته: يعدّه كثير من الإصلاحيين أعمق ما كُتب في اللاهوت الإصلاحي بعد كالفن. وهو المصدر الذي بنى عليه لويس بيركوف كتابه.

نبذة عن الكتاب

تتوزع المجلدات الأربعة هكذا:

  1. المقدمات: طبيعة اللاهوت بوصفه علماً، والوحي، والكتاب المقدس، ومبادئ المعرفة.
  2. الله والخلق: الذات الإلهية وصفاتها، والثالوث، والقضاء، والخلق، والعناية، وأصل الإنسان.
  3. الخطيئة والخلاص في المسيح: السقوط، والعهد، وشخص المسيح وعمله.
  4. الروح القدس والكنيسة والخليقة الجديدة: تطبيق الفداء، والكنيسة والأسرار، والأخرويات.

يقوم الكتاب على ثلاث أفكار مميِّزة:

  • الوحدة العضوية: العقيدة عنده نسق حي مترابط، والثالوث هو الأصل الذي تصدر عنه الوحدة في الكثرة.
  • السر: يجعله عنصر الحياة في علم العقيدة، فلا يُقصد من اللاهوت إزالة الأسرار، بل الحفاظ عليها.
  • «النعمة لا تُلغي الطبيعة بل تستعيدها وتُكمّلها»: وهذه أشهر صيغه.

ويتحاور بافينك في كل موضع مع خصومه: كانط وشلايرماخر وريتشل والتطور، ومع اللاهوت الكاثوليكي وتوما الأكويني.

النقد

الكتاب أكثر تحاوراً مع الفكر الحديث من كتاب بيركوف، لذا يتوجّه النقد إلى أسسه أكثر مما يتوجه إلى تفصيلاته.

1. مبدأ المعرفة: عصمة ضد الفحص

يعتمد بافينك ثلاثة مبادئ للعقيدة: الله أصلاً للوجود، والكتاب المقدس مصدراً خارجياً للمعرفة، والروح القدس وسيلة داخلية للمعرفة (الاستنارة والإيمان). وهذا يعني أن الحقيقة تُعرف بأدوات لا يملكها إلا المؤمن.

  • الإيمان قبل المعرفة: من لا يملك الشهادة الداخلية لا يستطيع الفحص في هذا النسق. وأي اعتراض يُفسَّر بأنه أثر الخطيئة في العقل، فيصير الخلاف مرضاً معرفياً في المخالف.
  • الأدلة على وجود الله: لا يقدمها بافينك براهين، بل يراها شهادات تؤكد إحساساً فطرياً بالله (sensus divinitatis) عند كالفن. والأمانة العلمية في هذا الموقف واضحة، لكن نتيجته أن الاعتقاد لا يتوقف على دليل، ولا يمكن أن يُبطله دليل.
  • السر والتناقض: يفرّق بين «السر» الذي يفوق العقل و«التناقض» الذي يخالفه. لكن الكتاب لا يعطي معياراً لهذا التفريق. فالمعيار الفعلي هو أن ما ورد في الكتاب المقدس سرّ، وما يخالفه تناقض. وهذا يعيدنا إلى الدور: النص يحكم بالحق، والكتاب حق لأن الروح يشهد به.

2. الكتاب المقدس: «الوحي العضوي» و«صورة العبد»

يرفض بافينك نظرية الإملاء الآلي، ويرى أن الله أوحى عبر شخصيات الكتّاب وظروفهم وأساليبهم (الوحي العضوي). ويقيس الكتاب على المسيح: كما اتحد الإلهي بالبشري في المسيح دون اختلاط، اتحد في الكتاب. ويسمي بشرية الكتاب «صورة العبد».

  • القياس ليس دليلاً: فتشبيه الكتاب بالمسيح يفترض المطلوب إثباته، وهو أن الكتاب يجمع الكمال الإلهي والصيغة البشرية دون خطأ. فيُقبل القياس إن أُريد تفسير بشرية الكتاب، ويُرفض إذا أُريد به إثبات عصمته.
  • البشرية والعصمة: تشمل «صورة العبد» عنده الظروف التاريخية والثقافية وأسلوب الكاتب، ومع ذلك لا يقبل أن يوجد فيه ما يخالف الحقيقة. فما الذي تعنيه «البشرية» إذا استُبعد منها الخطأ الذي هو أبرز صفات الكلام البشري؟ ويناقش الدارسون هل كان بافينك يقول بالعصمة اللفظية على المعنى الذي شاع لاحقاً، أم يقتصر على صدق الكتاب في ما يخص الخلاص.
  • القانون: يقرر بافينك أن الكنيسة لم تحدد الأسفار، بل عرفتها بشهادتها الذاتية. لكن التاريخ يخالف هذه الصورة. فقد استمر الخلاف قروناً حول العبرانيين ويعقوب ويهوذا وبطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة والرؤيا (المسماة «المتنازع عليها» عند يوسابيوس). ولم تظهر قائمة الأسفار السبعة والعشرين نفسها إلا في رسالة أثناسيوس الفصحية سنة 367. وشكّك لوثر نفسه في يعقوب ويهوذا والعبرانيين والرؤيا. فلو كانت الشهادة الذاتية كافية لما اختلفت الجماعة.
  • مفارقة يهوذا: تقتبس رسالة يهوذا (14–15) من سفر أخنوخ الأول، وهو عمل خارج القانون كله عند الإصلاحيين. فإما أن الاقتباس لا يعني الاعتراف بقدسية النص المقتبس منه، فيسقط معيار «الشهادة الذاتية» في بيان الحد بين المقدس وغيره، وإما أن يكون سفر أخنوخ موحى به.

3. الله: البساطة المطلقة والثالوث

يدافع بافينك عن الإله المتعالي الكلاسيكي: بسيط لا تركيب فيه، ولا يتغير، وخارج الزمان. وتُعدّ صفاته عين ذاته.

  • البساطة والثالوث: إن كان الله بسيطاً بلا تركيب، وكان كل أقنوم هو الذات الإلهية نفسها، فالأقانيم متطابقة. فالآب هو الذات، والابن هو الذات، وما يتطابق مع شيء واحد يتطابق مع بعضه بعضاً. وجواب بافينك أن الأقانيم متمايزة بالعلاقات (الأبوّة والبنوّة والانبثاق). لكن العلاقات، بحسب البساطة، هي نفسها الذات أيضاً، فلا يبقى مجال لتمايز حقيقي. وحين يبلغ الكتاب هذه النقطة يستعين بالسر.
  • الأثر والمؤثر: يقول بافينك إن الثالوث هو الأصل الذي تصدر عنه وحدة الخلق في كثرته. وهذا تبرير بالتشابه (vestigia trinitatis)، وهو غير مُلزِم، لأن الوحدة في الكثرة تُوجد في أي نسق مُركَّب، ومنها ما لا يوحي بالثالوث أبداً.
  • عدم التغير والنصوص: يفسّر بافينك ما يوحي بتغيّر الله وانفعاله، كالندم والغضب، بأنه لغة مجازية تناسب البشر (anthropopathism). ويستند إلى 1 صموئيل 15: 29 («ليس إنساناً فيندم»). لكن الأصحاح نفسه يقول في الآية 11 وفي الآية 35 إن الرب ندم على أنه ملّك شاول. فالنص يقول الأمرين، وترجيح أحدهما على الآخر يقوم على تصور فلسفي سابق عن الله، مصدره الميتافيزيقا اليونانية، وليس على النص.
  • العلاقة بالخلق: يقرر الكتاب، على طريقة توما الأكويني، أن علاقة الله بالخلق حقيقية في الخلق لا في الله. فلا يغيّر الخلق شيئاً في الله. فما معنى أن يكون الله «محباً» ويستجيب لمن يدعوه ويأتي إلى المخلوق، إذا كان هو نفسه لا يتأثر بشيء؟

4. الخلق والإنسان: عقيدة تحكم في علم

  • وحدة الجنس البشري «مادة إيمان»: يقول بافينك إن وحدة أصل البشر من آدم شرط لعقيدتي الخطيئة والفداء: إن لم يكن الجميع من أصل واحد فلا معنى لأن يحملوا خطيئة واحدة ويخلصوا بمخلّص واحد. وهنا تُحسم مسألة تجريبية، وهي أصل الجنس البشري، بحاجة عقيدة ما. وهذا عكس الترتيب المنهجي الصحيح، فالعقيدة هي التي تتبع الوقائع.
  • الموقف من التطور: يرحّب بافينك بفكرة «النمو» داخل الخلق، لكنه يرفض التطور بوصفه تفسيراً لأصل الأنواع وأصل الإنسان. وبعد قرن من كتابه صارت الأدلة (الحفريات، والتشريح المقارن، وعلم الوراثة) متقاطعة على أصل مشترك للكائنات، وعلى جماعة بشرية أولى بحدود آلاف الأفراد، وليس زوجاً واحداً. فهذا أبرز مواضع التصادم مع العلم، وقد دخل الكتاب فيه بمسلّمة لاهوتية.
  • الشر: يعترف بافينك بأن أصل الخطيئة سرّ لا يُحل. وهذا الاعتراف صادق، لكنه ينتهي بنسق يقرر أن كل شيء داخل القضاء الإلهي، ثم يتوقف عند أشد نقاطه حاجة إلى التفسير (وقد فصّلنا هذا الإشكال في مقال الكتاب 48).

5. المسيح: الألم والتجربة

يقرر بافينك عقيدة الطبيعتين في شخص واحد (خلقيدونية)، ويعتمد «تبادل الصفات» (communicatio idiomatum): ما يُقال عن إحدى الطبيعتين يُنسب إلى الشخص كله. فيصح أن يُقال «الله مات» بمعنى أن الشخص الإلهي مات.

  • معضلة الألم: يقول التراث الإصلاحي إن الألم والموت وقعا على الطبيعة البشرية وحدها، وإن الطبيعة الإلهية لا تتألم. ويقول أيضاً إن قيمة الذبيحة لا نهائية لأن من تألم هو الشخص الإلهي. فإن كان المتألم هو الشخص فالإله يتألم، وإن كان الألم في الطبيعة البشرية وحدها فقد زالت القيمة اللانهائية، لأن المتألم إنسان. ولا يمكن الجمع بين الأمرين.
  • معضلة التجربة: تقول الرسالة إلى العبرانيين (4: 15) إن المسيح «مجرَّب في كل شيء». والتراث الذي يعرضه بافينك يرى أن اتحاد الطبيعة البشرية بالكلمة يجعل خطيئته غير ممكنة. فإن كانت الخطيئة مستحيلة عليه فما معنى التجربة الحقيقية؟ وإن كانت ممكنة فقد كان ممكناً أن يخطئ الله. ولا يرفع ذلك أن يُقال إن التجربة كانت حقيقية في الوعي البشري، لأن من يعلم أنه لا يمكن أن يسقط لا يجرَّب كما يجرَّب الناس.

6. الكنيسة والخلاف الذي لا ينتهي

يعرّف بافينك الكنيسة بأنها جسم عضوي يجمع المؤمنين، مرئي في شكله المؤسسي وغير مرئي في حقيقته (المنتخبون). ويقول إن الكتاب هو سلطتها، والاعترافات الإصلاحية خلاصة لفهمها له.

  • الكتاب والاعترافات: إن كان الكتاب وحده السلطة، فما الحاجة إلى وثائق تُلزم بها الكنائس؟ وإن كانت الاعترافات مُلزمة فقد أصبحت سلطة موازية، وهو ما تنتقد به الكنيسة الإصلاحية غيرها.
  • الانقسام داخل التراث نفسه: كتب بافينك عقيدته وهو في كنيسة هولندية مرت بانشقاق 1834 وانشقاق 1886 ثم اندماج 1892، ثم انقسمت بعد وفاته سنة 1944. وكل طرف يستند إلى الكتاب نفسه وإلى الروح نفسه. فلا تُثبت «الوحدة العضوية» بالادعاء ما دامت الجماعة تختلف على النصوص التي يُفترض أنها تحسم الخلاف.
  • الكنيسة غير المرئية: حصر حقيقتها في المنتخبين أمر لا يمكن فحصه، ولا يمكن لأحد أن يعرف من داخلها. فلا يبقى معيار يميّز الكنيسة الحقة من غيرها إلا ما يقرره النسق نفسه.

7. الأخرويات: القراءة المزدوجة

يتبنى بافينك رأي «اللاألفية»: الألف سنة في رؤيا 20 هي العصر الحالي، لا فترة مستقبلية.

  • المجيء القريب: يقول المسيح إن بعض الحاضرين لن يذوقوا الموت حتى يروا ملكوت الله آتياً بقوة (مرقس 9: 1)، وإن هذا الجيل لن يمضي حتى يحدث كل هذا (متى 24: 34)، ويقول بولس «نحن الأحياء الباقين» (1 تسالونيكي 4: 15–17). وقد ظهر أثر التأخر لاحقاً في محاولة بطرس الثانية (3: 3–9) الرد على المتسائلين: أين وعد مجيئه؟
  • طريقة التأويل: يقرأ بافينك هذه النصوص بأن «قرب الرب» قرب نبوي وليس زمنياً، ويقرأ سفر الرؤيا قراءة رمزية. وهذا يجعل النصوص تُحمل على الظاهر أو على الرمز بحسب ما يقتضيه النسق. فأي نص يخصّص زمناً يمكن أن يُحوَّل إلى معنى بلا زمن، فلا يتحقق فيه أي اختبار.

8. أطروحة «النعمة تستعيد الطبيعة»

هذه هي الفكرة الجامعة في الكتاب: النعمة لا تُنشئ شيئاً غريباً عن الخلق، بل تُعيد ما أفسده السقوط. ويتفرع عنها عنده قبول الثقافة والعلم والأسرة والدولة كمجالات لعمل الله.

  • أي طبيعة تُستعاد؟ إن كانت الطبيعة فاسدة تماماً بحسب عقيدة العجز التام، فما الذي تعمل عليه النعمة؟ وإن بقي فيها خير، فلماذا يلزم عمل مبدئي من الخارج؟
  • بلا معيار مستقل: تفترض الفكرة وجود «نظام خلق» أصلي يمكن معرفته بأنه المرجع. لكن لا يوجد معيار خارجي يميّز هذا النظام من الأعراف الاجتماعية. وقد استُخدم مفهوم «نظام الخلق» في أوساط إصلاحية أخرى، منها جنوب أفريقيا، لتبرير الفصل العنصري. ولا ينبغي نسبة هذا الاستعمال إلى بافينك، فقد أكد وحدة الجنس البشري. لكنه يبيّن أن الطريقة نفسها تصلح لتبرير أمور متعارضة لأنها لا تحتكم إلى شيء خارج النسق.

الخلاصة

«العقيدة الإصلاحية» كتاب واسع الأفق، فيه صدق فكري ومحاورة جادة للفكر الحديث، وهو بذلك أرقى من كثير من نظرائه. لكنه يشترك معهم في الأصل: نسق يقيم حصانته على شهادة داخلية لا تُفحص، ويحلّ التوتر في النصوص بقراءة تُختار على حسب الحاجة، وينتهي في أشد المواضع (الثالوث والتجسد والقضاء والشر) إلى «السر». وسعة العرض وحسن التنظيم لا يغنيان عن الدليل، فمن حقّ القارئ أن يسأل: ما الذي كان يمكن أن يُظهر أن هذا النسق خطأ؟

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *