East and West at the Sacred Council

الانشقاق العظيم 1054: اللحظة التي انقسمت فيها المسيحية إلى الأبد على مائدة الحرم الكنسي

المقدمة

في السادس عشر من يوليو عام 1054، دخل ثلاثة مندوبين كاثوليك، بقيادة الكاردينال همبرت السيلفا كانديدي، إلى كاتدرائية آيا صوفيا في القسطنطينية أثناء إقامة القداس الإلهي، ووضعوا على المذبح الرئيسي وثيقة حرم كنسي رسمية تُخرج بطريرك القسطنطينية المسكوني ميخائيل كيرولاريوس من الشركة الكنسية. بعد أيام قليلة، ردّ البطريرك بحرم مضاد للمندوبين الثلاثة أنفسهم (وليس للبابا أو للكنيسة الغربية بأكملها كما يُشاع أحيانًا). بدا هذا التبادل في حينه مجرد نزاع دبلوماسي عابر بين شخصيتين متصلبتين، لكنه تحوّل عبر القرون إلى الحدث التأسيسي الرمزي لانقسام المسيحية إلى فرعيها الكاثوليكي الغربي والأرثوذكسي الشرقي، وهو انقسام لم يُشفَ رسميًا حتى يومنا هذا رغم رفع الحرم المتبادل عام 1965.

جذور أعمق من عام واحد

لم يكن انشقاق 1054 حدثًا مفاجئًا، بل تتويجًا لتباعد تدريجي استمر قرونًا بين كنيستي روما والقسطنطينية، على مستويات لاهوتية وطقسية وسياسية متعددة. لاهوتيًا، اختلفت الكنيستان حول إضافة الغرب اللاتيني عبارة “والابن” (Filioque) إلى قانون الإيمان النيقاوي، بحيث أصبح الروح القدس، بحسب الصيغة الغربية المعدّلة، منبثقًا “من الآب والابن معًا”، بينما تمسك الشرق بالصيغة الأصلية القائلة بانبثاقه من الآب وحده، معتبرًا هذه الإضافة تحريفًا أحاديًا غير شرعي لقانون إيمان أقرّه مجمع مسكوني جامع.

سياسيًا وإداريًا، تصاعد الخلاف حول طبيعة سلطة أسقف روما (البابا) نفسها؛ إذ طالبت روما تدريجيًا بسلطة أممية عليا مباشرة على كامل الكنيسة، بما فيها الشرق، بينما تمسك الشرق بنظام “البنتارخية” التقليدي القائم على المساواة النسبية بين البطريركيات الخمس الكبرى (روما، القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، أورشليم) تحت رئاسة شرفية لا تنفيذية لروما. اختلفت الكنيستان أيضًا حول ممارسات طقسية كاستخدام الخبز الفطير (غير المختمر) في القربان المقدس في الغرب مقابل الخبز المختمر في الشرق، وتجريد رجال الدين اللاتين من لحاهم مقارنة بالتقليد الشرقي، ومسائل الصوم وتاريخ الاحتفال بالفصح.

الخلفية المباشرة للأزمة

جاءت أزمة 1054 في سياق سياسي متوتر؛ إذ كان الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع مونوماخوس يسعى لتحالف عسكري مع البابا ليو التاسع ضد الغزو النورماندي المتصاعد لجنوب إيطاليا (التي كانت تضم جاليات يونانية أرثوذكسية كبيرة تحت السلطة الكنسية البيزنطية اسميًا). في هذا السياق، أغلق البطريرك ميخائيل كيرولاريوس، المعروف بتشدده وعدائه الصريح للممارسات اللاتينية، الكنائس اللاتينية في القسطنطينية عام 1052 حين رفضت التخلي عن استخدام الخبز الفطير، وكتب مقالات لاهوتية حادة ينتقد فيها الممارسات الغربية علنًا، مما أثار غضب البابا ليو التاسع.

أرسل البابا وفدًا برئاسة الكاردينال همبرت، المعروف بتشدده اللاهوتي هو الآخر ومعاداته الصريحة للمواقف البيزنطية، للتفاوض. لكن اللقاءات بين همبرت وكيرولاريوس اتسمت بالتوتر الشديد والاستفزاز المتبادل منذ البداية، إذ رفض البطريرك الاعتراف بشرعية الوفد بالكامل بعدما علم أن البابا ليو التاسع نفسه قد توفي فعليًا قبل وصول الوفد للقسطنطينية، معتبرًا صلاحيات المندوبين قد سقطت تلقائيًا بوفاة من أرسلهم.

الحرم المتبادل

في السادس عشر من يوليو 1054، وبعد فشل كل محاولات التفاوض، دخل همبرت ومندوبان آخران معه إلى آيا صوفيا وقت القداس، ووضعوا على المذبح وثيقة حرم كنسي اتهمت البطريرك كيرولاريوس وأتباعه بعدة “هرطقات” وممارسات خاطئة، ثم غادروا الكنيسة وهم ينفضون الغبار عن أقدامهم رمزيًا، معلنين تلك العبارة الإنجيلية الشهيرة بأن الله سيحكم على من رفضهم. رد كيرولاريوس بعد أيام قليلة بعقد مجمع محلي أصدر حرمًا كنسيًا مضادًا، لكنه اقتصر صراحة على همبرت ورفيقيه الاثنين بصفتهم الشخصية، ولم يُصدر حرمًا رسميًا بحق البابا نفسه أو الكنيسة الغربية بأكملها، وهي نقطة يوضحها المؤرخون الحديثون بدقة، إذ يُظهر النص الأصلي للوثيقة البيزنطية أنها استهدفت المندوبين الثلاثة تحديدًا لتجاوزهم صلاحياتهم بعد وفاة من أوفدهم.

لماذا لم يكن الانشقاق “لحظيًا” فعليًا؟

من المهم تاريخيًا التأكيد على أن أحداث 1054 لم تُدرَك في حينها، لا في روما ولا في القسطنطينية، باعتبارها انشقاقًا نهائيًا كاملًا بين الكنيستين بأكملهما؛ بل استمرت العلاقات الكنسية والتواصل الديني بين الشرق والغرب لعقود لاحقة بأشكال متفاوتة، ولم يكن الانقسام الشعبي والكنسي الكامل واضحًا للمعاصرين بهذه الحدة الفورية. ما رسّخ الانشقاق فعليًا وحوّله إلى قطيعة شعبية عميقة غير قابلة للرأب لم يكن حرم 1054 بحد ذاته، بل الأحداث اللاحقة، وعلى رأسها مذبحة اللاتين في القسطنطينية 1182 ونهب القسطنطينية الصليبي عام 1204، اللذان حوّلا خلافًا لاهوتيًا-إداريًا نخبويًا إلى عداء شعبي عميق متجذر استمر قرونًا.

محاولات الرأب عبر التاريخ

جرت عبر القرون محاولات متعددة لرأب هذا الصدع، أبرزها مجمعا ليون الثاني (1274) وفلورنسا (1439)، اللذان توصّلا رسميًا إلى اتحاد كنسي بين الشرق والغرب، لكن كليهما فشل في التطبيق العملي بسبب رفض شعبي وإكليركي واسع في الشرق اعتبر هذه الاتحادات مفروضة تحت ضغط سياسي (الحاجة لدعم غربي عسكري ضد التهديدين الغربي والعثماني المتصاعدين) دون قناعة لاهوتية حقيقية، فانهارت الاتحادات بعد سنوات قليلة من توقيعها.

الرفع الرسمي للحرم: 1965

لم يُرفع الحرم المتبادل لعام 1054 رسميًا إلا بعد أكثر من تسعة قرون كاملة؛ ففي السابع من ديسمبر 1965، وبالتزامن مع اختتام أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني، أصدر البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغوراس الأول إعلانًا مشتركًا في كل من روما والقسطنطينية أزالا بموجبه الحرم الكنسي المتبادل الصادر عام 1054 من الذاكرة والممارسة الكنسية، معترفَين بأن ما جرى كان نتاج ظروف تاريخية معينة أدت إلى سوء فهم متبادل. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الخطوة الرمزية المهمة، لا تزال الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية منفصلتين مؤسسيًا حتى اليوم، دون شركة كنسية كاملة (أي دون إمكانية مشاركة سر القربان المقدس المشترك بين الطرفين)، في انقسام لا يزال، من الناحية العملية، أطول انشقاق مستمر في تاريخ المسيحية.

المصادر

  • Henry Chadwick, East and West: The Making of a Rift in the Church (Oxford University Press, 2003)
  • Steven Runciman, The Eastern Schism: A Study of the Papacy and the Eastern Churches during the XIth and XIIth Centuries (Oxford University Press, 1955)
  • Tia M. Kolbaba, The Byzantine Lists: Errors of the Latins (University of Illinois Press, 2000)
  • Yves Congar, After Nine Hundred Years: The Background of the Schism Between the Eastern and Western Churches (Fordham University Press, 1959)
  • Joint Catholic-Orthodox Declaration, Common Declaration of Pope Paul VI and Patriarch Athenagoras I (1965) — الوثيقة الرسمية لرفع الحرم
  • Aristeides Papadakis & John Meyendorff, The Christian East and the Rise of the Papacy (St Vladimir’s Seminary Press, 1994)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *