حصار لاروشيل 1627-1628: حين جوّع الكاردينال ريشيليو معقل الهوغونوت الأخير حتى الاستسلام
المقدمة
بين عامي 1627 و1628، فرض الكاردينال أرمان جان دو بليسي، دوق ريشيليو، الوزير الأول الفعلي لفرنسا ورجل الدولة الكاثوليكي الأقوى في عصره، حصارًا بريًا وبحريًا خانقًا استمر أربعة عشر شهرًا على مدينة لاروشيل الساحلية، آخر معاقل الهوغونوت العسكرية والسياسية المستقلة فعليًا في فرنسا. انتهى الحصار باستسلام المدينة بعد أن فتكت المجاعة بأغلب سكانها، إذ انخفض عدد سكانها من نحو 27 ألفًا إلى أقل من 5 آلاف ناجٍ، في ضربة قاصمة أنهت عمليًا أي استقلالية عسكرية أو سياسية متبقية للبروتستانت الفرنسيين داخل مملكتهم، رغم أن ريشيليو نفسه، الكاردينال الكاثوليكي، لم يسعَ لإبادة البروتستانتية كدين بقدر ما استهدف تحديدًا القضاء على “دولة داخل الدولة” التي شكّلها الهوغونوت عسكريًا وسياسيًا منذ مرسوم نانت.
خلفية: لاروشيل، الجمهورية الهوغونوتية شبه المستقلة
منح مرسوم نانت الصادر عام 1598 عن الملك هنري الرابع (نفسه سابقًا زعيمًا هوغونوتيًا قبل اعتناقه الكاثوليكية) البروتستانت الفرنسيين حرية دينية محدودة، لكنه منحهم أيضًا، وهو الأهم استراتيجيًا، حق الاحتفاظ بعدد من “أماكن الأمان” (places de sûreté) المحصّنة عسكريًا، وعلى رأسها مدينة لاروشيل الساحلية القوية، التي تطورت عبر العقود التالية إلى ما يشبه جمهورية بلدية شبه مستقلة، تحكمها هيئة بلدية هوغونوتية منتخبة، وتحتفظ بقوة عسكرية وأسطول بحري خاص بها، وتقيم علاقات دبلوماسية وتجارية مباشرة مع القوى البروتستانتية الأوروبية، وعلى رأسها إنجلترا.
اعتبر ريشيليو، الذي تولى منصب الوزير الأول الفعلي للملك لويس الثالث عشر عام 1624، وجود هذا الكيان شبه المستقل داخل قلب المملكة الفرنسية تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمشروعه الأوسع لتركيز السلطة الملكية المطلقة وتوحيد فرنسا تحت سيادة مركزية كاملة، بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية المباشرة؛ فقد صرّح ريشيليو نفسه مرارًا بأن هدفه لم يكن اضطهاد البروتستانتية كعقيدة دينية بحد ذاتها (إذ حافظ عمليًا على حرية العبادة البروتستانتية في مناطق أخرى من فرنسا بعد سقوط لاروشيل)، بل تفكيك الامتيازات العسكرية والسياسية الاستثنائية التي جعلت من الهوغونوت قوة شبه سيادية موازية لسلطة التاج.
التدخل الإنجليزي وتصعيد الأزمة
تصاعدت الأزمة عام 1627 حين تدخلت إنجلترا البروتستانتية مباشرة لدعم لاروشيل، بقيادة الدوق جورج فيلييرز أول دوق باكنغهام، المفضّل المقرّب من الملك الإنجليزي تشارلز الأول، الذي قاد حملة عسكرية بحرية لمحاولة كسر أي حصار فرنسي محتمل ودعم الهوغونوت، جزئيًا بدافع تضامن ديني بروتستانتي وجزئيًا لأسباب استراتيجية إنجليزية تقليدية معادية للنفوذ الفرنسي المتصاعد. نزلت القوات الإنجليزية في جزيرة إيل دو ريه المجاورة للاروشيل في يوليو 1627، لكن الحملة انتهت بفشل عسكري ذريع أمام مقاومة الحامية الفرنسية المحلية، واضطر باكنغهام للانسحاب بخسائر فادحة في نوفمبر من العام نفسه، تاركًا لاروشيل عمليًا بلا دعم عسكري خارجي فعلي يُذكر لبقية الحصار.
الحصار: الجدار البحري الشهير
أدرك ريشيليو، بعد فشل محاولات الاقتحام العسكري المباشر المبكرة أمام تحصينات المدينة القوية، أن الحل الأنجع هو الحصار الخانق طويل الأمد، فأشرف شخصيًا، رغم كونه رجل دين لا عسكريًا محترفًا، على مشروع هندسي عسكري ضخم وغير مسبوق: بناء سد بحري ضخم (جدار طويل من الحجارة والأخشاب المغروزة) عبر مدخل ميناء لاروشيل البحري، بطول يقارب 1.5 كيلومتر، لمنع أي سفن إمداد أو تعزيزات بحرية إنجليزية من الوصول للمدينة المحاصرة، في إنجاز هندسي عسكري وصفه مؤرخون لاحقون بأنه سابق لعصره بشكل لافت.
بمجرد اكتمال هذا الحاجز البحري، أصبحت لاروشيل معزولة تمامًا براً وبحراً، محاصرة بجيش بري فرنسي كبير من جهة، ومقطوعة عن أي إمدادات غذائية خارجية من جهة أخرى. حاول أسطول إنجليزي ثانٍ، بقيادة الإيرل دنبي، كسر الحصار البحري في مايو ثم سبتمبر 1628، لكن كلتا المحاولتين فشلتا أمام الحاجز البحري المحصّن جيدًا بمدافع فرنسية، تاركتين المدينة المحاصرة بلا أي أمل حقيقي متبقٍ في إغاثة خارجية.
المجاعة والاستسلام
مع استمرار الحصار الخانق أشهرًا طويلة متتالية دون أي إمدادات خارجية تُذكر، ضربت مجاعة شديدة سكان لاروشيل المحاصرين. تصف سجلات وشهادات معاصرة، منها مذكرات القائد العسكري الفرنسي نفسه المشرف على الحصار، مشاهد تجويع جماعي فتاك: أكل السكان اليائسون الكلاب والقطط والفئران، ثم الجلود المغلية وحتى الأعشاب والحشائش، قبل أن يبدأ الموت جوعًا بالانتشار الواسع، خصوصًا بين كبار السن والأطفال والفئات الأضعف اجتماعيًا واقتصاديًا. انخفض عدد سكان المدينة، الذي كان يُقدَّر بنحو 25 إلى 27 ألف نسمة قبل الحصار، إلى ما بين 5 آلاف و5500 ناجٍ فقط بحلول لحظة الاستسلام، أي أن ما يقارب 80% من سكان المدينة إما ماتوا جوعًا أو فرّوا أو قُتلوا خلال فترة الحصار الطويلة، في واحدة من أعلى نسب الخسائر السكانية الموثقة لحصار مدينة أوروبية واحدة في التاريخ الحديث.
استسلمت المدينة رسميًا للقوات الملكية في الثامن والعشرين من أكتوبر 1628، بعد أن دخلها الملك لويس الثالث عشر شخصيًا منتصرًا، مرفوقًا بريشيليو نفسه.
شروط ما بعد الاستسلام: قسوة سياسية دون إبادة دينية
على عكس ما قد يُتوقع من حصار بهذه الوحشية والحصيلة البشرية الكارثية، أظهر ريشيليو، بعد تحقيق هدفه الاستراتيجي الأساسي بتفكيك القوة العسكرية والسياسية المستقلة للمدينة، اعتدالًا نسبيًا لافتًا تجاه المعتقد الديني نفسه: هُدمت أسوار وتحصينات لاروشيل العسكرية بالكامل، وأُلغيت امتيازاتها البلدية شبه المستقلة، وأُخضعت المدينة مباشرة للسلطة الملكية المركزية كأي مدينة فرنسية أخرى، لكن لم تُفرض قوانين تحويل ديني قسري جماعي على السكان الناجين، واستمرت حرية العبادة البروتستانتية الفردية قائمة نظريًا في المدينة بحدود القيود العامة المفروضة على الهوغونوت في عموم فرنسا آنذاك، وهو ما يعكس بوضوح الطبيعة السياسية بالأساس، لا الدينية الصرفة، للحملة من منظور ريشيليو نفسه.
الإرث
شكّل سقوط لاروشيل نهاية فعلية للهوغونوت كقوة عسكرية وسياسية مستقلة داخل فرنسا، وإن استمر وجودهم الديني كأقلية دينية معترف بها قانونيًا حتى إلغاء مرسوم نانت نهائيًا عام 1685 على يد لويس الرابع عشر، الذي فرض عندها تحويلًا قسريًا شاملًا أو نفيًا جماعيًا واسع النطاق. يُعد حصار لاروشيل اليوم مثالًا تاريخيًا بارزًا يُدرَّس أحيانًا في سياق مختلف تمامًا عن الحروب الدينية الطائفية الصرفة التي تناولتها مقالات سابقة في هذه السلسلة: نموذج لتوظيف رجل دين كاثوليكي رفيع المستوى (كاردينال) لأدوات الدولة العسكرية والهندسية الحديثة، ليس بدافع اضطهاد ديني مباشر بالأساس، بل بدافع بناء دولة مركزية حديثة موحدة السيادة، حتى لو تطلب ذلك تدمير مجتمع ديني بأكمله عمليًا في سبيل تحقيق هذا الهدف السياسي الأعمق.
المصادر
- David Parrott, Richelieu’s Army: War, Government and Society in France, 1624–1642 (Cambridge University Press, 2001)
- Joseph Bergin, The Rise of Richelieu (Manchester University Press, 1991)
- A. Lloyd Moote, Louis XIII, the Just (University of California Press, 1989)
- David Parrott, “The Siege of La Rochelle,” ضمن دراسات موسعة عن حروب ريشيليو العسكرية
- Robin D. Gwynn, Huguenot Heritage: The History and Contribution of the Huguenots in Britain, 2nd ed. (Sussex Academic Press, 2001) — للسياق الأوسع لتاريخ الهوغونوت
- Malcolm Vale, دراسات حول الهندسة العسكرية الفرنسية في القرن السابع عشر ضمن أرشيفات الحصار


لا يوجد تعليق