La michlad massacre

مذبحة “لا ميشلاد” في نيم 1567: حين ذبح الهوغونوت خصومهم الكاثوليك انتقامًا استباقيًا في نسخة معكوسة من بارثولوميو

المقدمة

في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1567، يوم عيد القديس ميخائيل (الذي يُعرف بالفرنسية بـ”لا ميشيل”، ومنه اشتق اسم الحادثة “لا ميشلاد”)، انتفض سكان مدينة نيم الهوغونوت في جنوب فرنسا، وقتلوا عشرات من كبار رجال الدين الكاثوليك والقناصل ووجهاء المدينة، وألقوا كثيرًا من جثثهم في بئر عميقة بالقرب من القصر الأسقفي. جاءت هذه المذبحة، التي راح ضحيتها ما يُقدَّر بثمانين إلى مئة قتيل، كرد فعل انتقامي استباقي من الهوغونوت أنفسهم، في مؤشر مبكر وصارخ على أن العنف الديني في حروب الدين الفرنسية لم يكن حكرًا على طرف واحد، بل مارسه الطرفان، الكاثوليكي والبروتستانتي، كل حين سنحت له الفرصة والسلطة المحلية اللازمة لتنفيذه.

خلفية: نيم، المدينة الهوغونوتية في قلب لانغدوك الكاثوليكي

كانت مدينة نيم، الواقعة في إقليم لانغدوك جنوب فرنسا، قد تحوّلت خلال عقود قليلة إلى أحد أبرز معاقل الكالفينية الهوغونوتية في المملكة، إذ اعتنق أغلب سكانها البروتستانتية، وسيطر الهوغونوت على مجلس القناصل الحاكم للمدينة عمليًا، رغم بقاء أقلية كاثوليكية محلية مهمة، ضمّت أسقف المدينة ورجال الدين التابعين له وعددًا من العائلات النبيلة والبرجوازية الموالية لروما. عاشت المدينة توترًا طائفيًا متصاعدًا منذ بداية حروب الدين الفرنسية عام 1562، تخللته اشتباكات محدودة ونهب متبادل لممتلكات كنسية وخاصة.

“مفاجأة مو”: الشرارة المباشرة

جاءت الشرارة المباشرة للمذبحة من حدث سياسي-عسكري وقع بعيدًا عن نيم، في شمال فرنسا. ففي سبتمبر 1567، حاول أمير كوندي وقادة الهوغونوت الآخرون تنفيذ عملية عسكرية مفاجئة تُعرف بـ”مفاجأة مو” (Surprise de Meaux)، استهدفت اختطاف الملك الشاب شارل التاسع ووالدته الوصية كاثرين دي ميديشي من مدينة مو، ربما بهدف انتزاع تنازلات سياسية ودينية جديدة أو منع تحرك ملكي عسكري ضدهم كانوا يخشونه. فشلت هذه المحاولة، لكنها أعادت إشعال الحرب الأهلية الثانية بين الكاثوليك والهوغونوت في عموم فرنسا، وأثارت في الوقت نفسه موجة هلع واسعة بين الهوغونوت المحليين في مدن مثل نيم، الذين خشوا أن يتعرضوا لانتقام كاثوليكي وشيك بتحريض من رجال الدين والوجهاء المحليين الموالين للتاج، فقرروا التحرك أولًا.

المذبحة

في يوم عيد القديس ميخائيل، تجمّع حشد من الهوغونوت المسلحين، بتحريض وربما بتنظيم مباشر من قادة محليين للميليشيا الهوغونوتية في المدينة، واعتقلوا عددًا كبيرًا من رجال الدين الكاثوليك، بمن فيهم قساوسة وكهنة الكاتدرائية وقناصل المدينة الكاثوليك ووجهاء بارزين آخرين، بذريعة “حمايتهم” مؤقتًا من غضب الحشد أو التحقيق معهم كطابور خامس محتمل موالٍ للملك. سرعان ما تحوّل هذا الاعتقال الجماعي إلى مذبحة مباشرة؛ إذ اقتيد المعتقلون إلى ساحة القصر الأسقفي، حيث قُتل أغلبهم بالسيف أو الخنجر أو ألقي بهم أحياء في بئر عميقة قريبة من مقر الأسقفية، عُرفت لاحقًا في الذاكرة المحلية بـ”بئر الأسقفية” أو تسميات محلية مشابهة، وتُركت الجثث متراكمة في قاعها.

نجا أسقف المدينة نفسه، برنار دلبيني، من المذبحة، بحسب أغلب الروايات المحلية، بفضل اختبائه أو مساعدة قدّمها له بعض الهوغونوت المعتدلين الذين رفضوا المشاركة في أعمال العنف أو حاولوا الحد منها. تباينت تقديرات المؤرخين لعدد القتلى الإجمالي بين ثمانين ومئة قتيل تقريبًا، أغلبهم من رجال الدين والقناصل والوجهاء الكاثوليك المعروفين محليًا، في عملية استهدفت بوضوح النخبة الكاثوليكية القيادية للمدينة تحديدًا لا عامة السكان الكاثوليك بشكل عشوائي واسع كما جرى في مذابح أكبر حجمًا كبارثولوميو لاحقًا.

السياق الأوسع: مذابح متبادلة في حروب الدين

لم تكن مذبحة نيم حادثة معزولة تمامًا؛ فمع تجدد الحرب الأهلية الثانية عام 1567، شهدت مدن ومناطق أخرى في فرنسا أعمال عنف طائفي متبادل مماثلة، وإن اختلفت في حجمها ووحشيتها، إذ ارتكب الطرفان، الكاثوليكي والبروتستانتي، مذابح متفرقة ضد بعضهما البعض كلما توفرت لأحدهما السيطرة المحلية المؤقتة على مدينة أو منطقة معينة. يشير هذا النمط المتكرر إلى طبيعة حروب الدين الفرنسية كصراع أهلي شامل ومتبادل العنف، لا كاضطهاد أحادي الاتجاه من طرف كاثوليكي مهيمن ضد أقلية بروتستانتية مضطهدة فحسب، كما قد يوحي التركيز الإعلامي والتاريخي اللاحق الأكبر على مذابح كبرى كبارثولوميو التي ارتكبها الكاثوليك.

التداعيات المباشرة والحرب الأهلية الثانية

أثارت مذبحة نيم، حين وصلت أنباؤها إلى باريس والبلاط الملكي، غضبًا كاثوليكيًا واسعًا واعتُبرت دليلًا إضافيًا على “وحشية” الهوغونوت وخطرهم على النظام العام، واستُخدمت دعائيًا من قبل الكاثوليك المتشددين لتبرير تصعيد عسكري مضاد ضد معاقل الهوغونوت في الأشهر التالية. استمرت الحرب الأهلية الثانية عدة أشهر إضافية قبل أن تنتهي مؤقتًا بمعاهدة سلام لونجومو في مارس 1568، وهي هدنة هشة لم تدم طويلًا قبل اندلاع الحرب الأهلية الثالثة بعدها بأشهر قليلة فقط.

الذاكرة والتقييم التاريخي

على عكس مذبحة يوم القديس بارثولوميو التي حظيت بتوثيق أوروبي واسع ومكانة رمزية بارزة في الذاكرة التاريخية الأوروبية الجماعية، ظلت مذبحة “لا ميشلاد” حدثًا أقل شهرة خارج فرنسا وخارج الدوائر الأكاديمية المتخصصة بتاريخ حروب الدين، رغم أهميتها الرمزية في تبيان الطبيعة متبادلة العنف لهذه الحروب. تحتفظ مدينة نيم اليوم بذاكرة محلية للحادثة، وتُدرَّس ضمن الدراسات المتخصصة بتاريخ لانغدوك خلال حروب الدين، كمثال دال على كيف يمكن لأي طائفة، أقلية كانت أم أغلبية محلية، أن ترتكب أعمال عنف جماعي منظم متى ما توفرت لها القدرة والفرصة السياسية والعسكرية المحلية للقيام بذلك، بصرف النظر عن هويتها الدينية أو موقعها كضحية أو جانٍ في سياقات أخرى من الصراع الأوسع.

المصادر

  • Janine Garrisson, Les Protestants au XVIe siècle (Fayard, 1988)
  • Philip Benedict, Rouen during the Wars of Religion (Cambridge University Press, 1981) — لسياق مقارن حول العنف الطائفي المحلي في المدن الفرنسية
  • Mack P. Holt, The French Wars of Religion, 1562–1629, 2nd ed. (Cambridge University Press, 2005)
  • Robert J. Knecht, The French Wars of Religion, 1562–1598, 3rd ed. (Routledge, 2010)
  • Denis Crouzet, Les guerriers de Dieu: la violence au temps des troubles de religion, vers 1525 – vers 1610 (Champ Vallon, 1990)
  • Ménard, Léon, Histoire civile, ecclésiastique et littéraire de la ville de Nismes (طبعة تاريخية محلية قديمة توثّق أحداث المدينة بتفصيل، القرن الثامن عشر)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *