Elizabeth ii excutions

اضطهاد الكاثوليك في عهد إليزابيث الأولى: حين أُعدم الكهنة اليسوعيون شنقًا وسحلًا وتقطيعًا بتهمة الخيانة العليا

المقدمة

طوال العقود الأربعة والأربعين من حكم الملكة إليزابيث الأولى (1558-1603)، التي يُنظر إليها غالبًا في السردية الإنجليزية التقليدية كعصر ذهبي من الاستقرار والازدهار، خضع الكاثوليك الإنجليز لحملة اضطهاد قانونية ومنهجية متصاعدة، أُعدم خلالها أكثر من 180 كاثوليكيًا، معظمهم كهنة ويسوعيون، بتهمة الخيانة العليا لا الهرطقة رسميًا، بطريقة إعدام تُعد من أوحش أساليب التعذيب المُقننة في التاريخ الأوروبي: الشنق حتى الاختناق دون الموت، ثم التقطيع وهم أحياء، ثم التشريح ونزع الأحشاء أمام الجمهور. تكشف هذه الحملة كيف استخدم النظام البروتستانتي الإنجليزي، مثل نظيره الكاثوليكي في عهد ماري الأولى قبله مباشرة، أدوات الدولة القانونية والقضائية لتصفية أقلية دينية، وإن كانت الذريعة القانونية هذه المرة “الخيانة” السياسية بدل “الهرطقة” الدينية الصريحة.

التسوية الإليزابيثية: تسامح مشروط هش

عقب اعتلائها العرش خلفًا لأختها غير الشقيقة ماري الأولى، سعت إليزابيث الأولى في البداية لتبني موقف وسطي نسبيًا عُرف بـ”التسوية الإليزابيثية الدينية” لعام 1559، أعادت بموجبها فرض البروتستانتية الأنجليكانية دينًا رسميًا للدولة عبر “قانون السيادة” الجديد و”قانون الموافقة” الذي ألزم الحضور الإلزامي لصلوات الكنيسة الأنجليكانية الرسمية، لكنها تجنبت في مراحلها المبكرة الملاحقة الدينية الصريحة المكثفة التي ميّزت عهد أختها، مكتفية بغرامات مالية محدودة نسبيًا (تُعرف بـ”غرامات الاسترداد”) على الكاثوليك الذين يرفضون حضور القداس الأنجليكاني.

الحرم البابوي 1570: نقطة التحول

تغيّر هذا التوازن الهش بشكل جذري عام 1570، حين أصدر البابا بيوس الخامس منشورًا بابويًا عُرف بـ”Regnans in Excelsis” حرم بموجبه إليزابيث الأولى كنسيًا، معتبرًا إياها “هرطوقية” غير شرعية الحكم، وحلّ رعاياها الكاثوليك رسميًا من أي واجب ولاء تجاهها، بل ودعا ضمنيًا لخلعها. حوّل هذا القرار البابوي، الذي اتخذ دون تنسيق حقيقي مع القوى الكاثوليكية الأوروبية الكبرى كفرنسا وإسبانيا اللتين اعتبرتاه متهورًا سياسيًا، كل كاثوليكي إنجليزي فعليًا إلى مشتبه به محتمل بالخيانة في نظر الدولة الإنجليزية، إذ أصبح ولاؤه الديني للبابا، بحسب هذا المنشور نفسه، متعارضًا مباشرة مع ولائه المدني المفترض للتاج الإنجليزي.

الكهنة اليسوعيون والمدارس السرية

تفاقم القلق الأمني الإنجليزي أكثر مع تأسيس شبكة من “الكليات الإنجليزية” الكاثوليكية في أوروبا القارية، أبرزها في دواي بفرنسا وروما نفسها، التي درّبت كهنة كاثوليك إنجليز منفيين، وأرسلتهم سرًا للعودة إلى إنجلترا للعمل السري في خدمة الجاليات الكاثوليكية المتبقية، وعلى رأسهم كهنة الرهبنة اليسوعية المعروفين بتدريبهم المنهجي الصارم وتفانيهم الشديد. اعتبرت السلطات الإنجليزية هذه الشبكة تهديدًا أمنيًا مباشرًا يتجاوز مجرد الخلاف اللاهوتي، خصوصًا مع تصاعد التوتر السياسي مع إسبانيا الكاثوليكية ومؤامرات متكررة، بعضها موثق فعليًا وبعضها مبالغ فيه استخباراتيًا، لاغتيال إليزابيث واستبدالها بمنافستها الكاثوليكية ماري ملكة اسكتلندا.

قوانين الخيانة الجديدة والإعدامات

استجابةً لهذا التصور الأمني، أصدر البرلمان الإنجليزي سلسلة قوانين متصاعدة القسوة، أبرزها قانون 1585 الذي جرّم مجرد وجود كاهن كاثوليكي مُرسَّم في إنجلترا باعتباره خيانة عليا تلقائية بحد ذاتها، بصرف النظر عن أي نشاط تآمري فعلي مثبت، إلى جانب تجريم إيواء أو مساعدة أي كاهن من هذا النوع بالعقوبة القصوى ذاتها. بموجب هذا الإطار القانوني، أُعدم عشرات الكهنة اليسوعيين والكاثوليك العلمانيين على مدى العقود التالية بطريقة الإعدام المخصصة قانونيًا لجريمة الخيانة العليا في إنجلترا آنذاك: الشنق حتى فقدان الوعي دون الموت الكامل، ثم إنزال الجسد وهو لا يزال حيًا، وإخصاؤه، وبقر بطنه واستخراج أحشائه وحرقها أمامه، ثم قطع رأسه وتقسيم جسده أربعة أجزاء تُعلّق في أماكن عامة متفرقة تحذيرًا رادعًا لعامة السكان.

إدموند كامبيون: الشهيد اليسوعي الأبرز

يمثّل الأب إدموند كامبيون، الكاهن اليسوعي الذي عاد سرًا إلى إنجلترا عام 1580 بعد تدريبه في روما، الحالة الأكثر توثيقًا وشهرة لهذه الحملة؛ إذ نشر قبل اعتقاله رسالة دفاعية شهيرة عُرفت بـ”تحدي كامبيون” (Campion’s Brag)، أكد فيها صراحة أن مهمته دينية وروحية بحتة لا سياسية، ونفى أي نية للتحريض على العنف أو التآمر ضد الملكة. اعتُقل كامبيون عام 1581 بعد مطاردة استخباراتية مكثفة، وأُخضع لتعذيب متكرر على “الرف” (أداة تعذيب لتمديد الجسد قسرًا) لانتزاع معلومات عن شبكة الكهنة السريين الآخرين، ثم حُوكم بتهمة الخيانة رغم عدم وجود دليل فعلي على أي نشاط تآمري مباشر، وأُعدم بالطريقة الوحشية الكاملة في ديسمبر 1581. قُدّس كامبيون لاحقًا رسميًا كقديس كاثوليكي عام 1970 من قبل البابا بولس السادس، ضمن مجموعة أوسع من “شهداء إنجلترا وويلز الأربعين”.

مارغريت كلايثيرو: “السيدة المسحوقة”

لم يقتصر الاضطهاد على الكهنة الذكور وحدهم؛ فمن أبرز الحالات الموثقة أيضًا مارغريت كلايثيرو، سيدة كاثوليكية من يورك أدانتها السلطات عام 1586 بتهمة إيواء كهنة كاثوليك سريين في منزلها. رفضت كلايثيرو، حمايةً لأطفالها من الإدلاء بشهادة قد تُدينها أو تُدينهم، الاعتراف رسميًا بالتهمة أو الدفاع عن نفسها أمام المحكمة، وهو ما استوجب بحسب القانون الإنجليزي آنذاك عقوبة استثنائية القسوة عُرفت بـ”peine forte et dure” (العقوبة القوية والقاسية): إذ مُددت على الأرض ووُضع عليها باب خشبي ثقيل، ثم كُدّست عليه أحجار متزايدة الوزن تدريجيًا حتى سحقتها حتى الموت خلال نحو خمس عشرة دقيقة، في مشهد وحشي استثنائي حتى بمعايير تلك الحقبة القاسية. قُدّست كلايثيرو لاحقًا بدورها ضمن مجموعة “الشهداء الأربعين” نفسها عام 1970.

التقييم التاريخي

يشير مؤرخون معاصرون إلى تعقيد تصنيف هذه الإعدامات بشكل قاطع كاضطهاد ديني بحت أو كعدالة أمنية مشروعة بالكامل؛ فبينما استندت السلطات الإنجليزية رسميًا لتهمة الخيانة السياسية لا الهرطقة الدينية المباشرة، متأثرة بسياق فعلي من مؤامرات اغتيال موثقة وتهديد غزو إسباني محتمل (توّج لاحقًا بمحاولة الأرمادا الإسبانية الفاشلة عام 1588)، فإن الإطار القانوني ذاته جرّم في جوهره مجرد الانتماء الديني والوظيفة الكهنوتية الكاثوليكية بحد ذاتها كخيانة تلقائية، بصرف النظر عن أي دليل فردي فعلي على نية تآمرية مباشرة، وهو ما يجعل التمييز بين “العدالة الأمنية” و”الاضطهاد الديني” في هذه الحالة إشكاليًا وموضع جدل تاريخي مستمر حتى اليوم.

الإرث

يُظهر اضطهاد الكاثوليك في عهد إليزابيث، إلى جانب اضطهاد البروتستانت المعاكس تمامًا في عهد أختها ماري قبله مباشرة، نمطًا متكررًا بشكل صارخ في تاريخ إنجلترا التودورية: كل ملك أو ملكة متعاقب يستخدم أدوات الدولة القضائية والقانونية لتصفية أتباع الديانة المنافسة، مع تبديل الأدوار الكامل بين الجلاد والضحية بحسب هوية الحاكم المذهبية فقط، في دورة عنف ديني داخلي استمرت قرابة قرن كامل من الزمن قبل أن تستقر إنجلترا نهائيًا على هويتها البروتستانتية الأنجليكانية الراسخة.

المصادر

  • Eamon Duffy, The Stripping of the Altars: Traditional Religion in England, 1400–1580, 2nd ed. (Yale University Press, 2005)
  • Michael L. Carrafiello, Robert Parsons and English Catholicism, 1580–1610 (Susquehanna University Press, 1998)
  • Evelyn Waugh, Edmund Campion: A Life (1935; إعادة طبع Ignatius Press) — سيرة كلاسيكية للقديس كامبيون
  • John Bossy, The English Catholic Community, 1570–1850 (Darton, Longman & Todd, 1975)
  • Peter Lake & Michael Questier, The Trials of Margaret Clitherow: Persecution, Martyrdom and the Politics of Sanctity in Elizabethan England (Continuum, 2011)
  • Alice Hogge, God’s Secret Agents: Queen Elizabeth’s Forbidden Priests and the Hatching of the Gunpowder Plot (HarperCollins, 2005)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *