Mountain Village Under Siege

مجزرة عيد الفصح البيدمونتي 1655: المذبحة التي ألّفت من أجلها أوروبا البروتستانتية بأسرها احتجاجًا شعريًا خالدًا

المقدمة

في السابع والعشرين من أبريل عام 1655، شنّت قوات دوقية سافوي الكاثوليكية، بمساعدة مرتزقة فرنسيين وإيرلنديين، هجومًا مباغتًا على قرى الفالدنسيين البروتستانت في وديان جبال الألب البيدمونتية شمال غرب إيطاليا. خلال أيام قليلة، قُتل مئات من الفالدنسيين، بينهم نساء وأطفال ورضّع، في مجزرة وحشية بلغت من الفظاعة أن أثارت موجة سخط عارمة في عموم أوروبا البروتستانتية، ودفعت الشاعر الإنجليزي الأعمى جون ميلتون لكتابة إحدى أشهر قصائد الاحتجاج السياسي في تاريخ الأدب الإنجليزي، وحمل نفسه، بصفته سكرتيرًا لدولة كرومويل آنذاك، مسؤولية الضغط الدبلوماسي الدولي لوقف المجزرة.

من هم الفالدنسيون؟

تعود جذور حركة الفالدنسيين إلى أواخر القرن الثاني عشر، حين أسسها التاجر الليوني بيير فالدو (Peter Waldo)، الذي تخلّى عن ثروته ودعا إلى حياة الفقر الطوعي والوعظ المباشر بالإنجيل باللغات المحلية بدل اللاتينية، ورفض بعض تعاليم الكنيسة الرسمية كالمطهر وصلوات الموتى. أدانه المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 ثم حرمته الكنيسة كنسيًا عام 1184، فانتقلت الحركة إلى العمل السري، ونجت جماعات صغيرة منها عبر القرون التالية متمركزة أساسًا في الوديان الجبلية النائية بين بيدمونت (إيطاليا الحالية) وسافوي.

مع اندلاع الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، اندمج الفالدنسيون رسميًا مع التيار الكالفيني عام 1532 في مجمع تشانفوران، محتفظين بهويتهم الفالدنسية المتميزة ضمن الإطار البروتستانتي الأوسع. منحتهم دوقية سافوي الكاثوليكية الحاكمة تسامحًا محدودًا ومشروطًا عبر معاهدات متعاقبة، سمحت لهم بالبقاء في واديين أو ثلاثة أودية جبلية محددة (لوسيرن وأنجروجنا وسان مارتينو)، مع منعهم من التوسع خارجها أو ممارسة أي نشاط تبشيري.

المرسوم الذي أشعل المجزرة

في يناير 1655، أصدر الدوق تشارلز إيمانويل الثاني، دوق سافوي، بضغط من مستشاريه الكاثوليك المتشددين ومجلس “التبشير المقدس” الكاثوليكي (Consiglio di Propaganda Fide) في تورينو، مرسومًا يأمر جميع الفالدنسيين المقيمين خارج حدود الأودية المسموح بها تاريخيًا بالانتقال إلى تلك الأودية أو اعتناق الكاثوليكية خلال عشرين يومًا، تحت طائلة مصادرة أملاكهم. رفض الفالدنسيون الامتثال الكامل، معتبرين المرسوم انتهاكًا لحقوقهم التاريخية المكفولة بمعاهدات سابقة، فأرسل الدوق جيشًا لفرض المرسوم بالقوة، بقيادة الماركيز دي بيانيزا.

المذبحة

بدأت القوات الدوقية، المدعومة بفرق مرتزقة فرنسية وإيرلندية معروفة بقسوتها، حملتها في أواخر أبريل 1655. تحت ذريعة “استضافة” مؤقتة للقوات في القرى الفالدنسية تمهيدًا لتنفيذ الترحيل بشكل “سلمي”، شنت القوات في السابع والعشرين من أبريل هجومًا مباغتًا شاملًا على القرى الآمنة، في مذبحة عشوائية استمرت أيامًا.

وثّق المؤرخون المعاصرون، ومنهم القس الفالدنسي جان ليجيه الذي جمع شهادات الناجين مباشرة بعد الحدث، فظائع استثنائية: نساء حوامل بُقر بطونهن، أطفال رُمي بهم من فوق الصخور أو قُطّعت رؤوسهم وعُلّقت كتذكارات، رجال ونساء مسنون أُحرقوا أحياء داخل منازلهم أو صُلبوا رأسًا على عقب، وقرى بأكملها أُبيدت عن آخرها. تراوحت تقديرات عدد القتلى بين عدة مئات وأكثر من ألف وسبعمائة قتيل بحسب مصادر فالدنسية معاصرة، فيما شرّد آلاف آخرون فروا عبر الجبال المتجمدة إلى مناطق بروتستانتية أكثر أمانًا في سويسرا المجاورة.

الصدى الأوروبي: ميلتون وكرومويل

حين وصلت أنباء المجزرة إلى إنجلترا، أحدثت هزة سياسية ودينية كبرى في أوساط بروتستانتية كانت لا تزال حديثة العهد بذاكرة حروبها الأهلية الدينية الخاصة. كان الشاعر جون ميلتون يشغل حينها منصب سكرتير اللغات الأجنبية في حكومة أوليفر كرومويل (كومنولث إنجلترا)، فكتب بتكليف رسمي حزمة من الرسائل الدبلوماسية الغاضبة إلى حكام أوروبا الكاثوليك، بما فيهم فرنسا وإمبراطورية هابسبورغ، مطالبًا بالتدخل لوقف الاضطهاد ومعاقبة مرتكبيه.

إلى جانب هذه المراسلات الرسمية، كتب ميلتون شخصيًا سونيتة قصيرة لكنها بالغة التأثير بعنوان “On the Late Massacre in Piedmont” (عن المجزرة الأخيرة في بيدمونت)، ناشد فيها الله بالانتقام لدماء “قديسيه” المذبوحين على الجبال الباردة، وطالب بأن يتذكر التاريخ فظائع “الرجل البابوي” (الإشارة الاستعارية للكنيسة الكاثوليكية الرومانية). أصبحت هذه القصيدة، رغم قصرها الشديد (أربعة عشر بيتًا فقط)، واحدة من أشهر نماذج الشعر السياسي البروتستانتي المناهض للكاثوليكية في تاريخ الأدب الإنجليزي، ولا تزال تُدرَّس حتى اليوم كنموذج كلاسيكي لتوظيف الشعر في القضايا الإنسانية والسياسية.

مارس كرومويل بدوره ضغطًا دبلوماسيًا فعليًا، مهددًا بقطع العلاقات مع فرنسا ما لم تتدخل باريس لدى دوق سافوي (الذي كانت فرنسا تملك نفوذًا كبيرًا عليه) لوقف الاضطهاد، وأطلقت الكنائس البروتستانتية في إنجلترا وهولندا وسويسرا حملات تبرعات واسعة لإغاثة اللاجئين الفالدنسيين الناجين.

التسوية: معاهدة بينيرولو

تحت الضغط الدبلوماسي الأوروبي المكثف، خصوصًا الفرنسي، اضطر دوق سافوي للتراجع، ووقّع في أغسطس 1655 معاهدة بينيرولو التي أعادت للفالدنسيين حقوقهم التاريخية المحدودة في أوديتهم الأصلية، مع عفو عام، وإن ظل وضعهم القانوني هشًا وخاضعًا لقيود متكررة في العقود التالية، بما فيها موجة اضطهاد أخرى أواخر القرن السابع عشر أدت إلى نفي جماعي مؤقت للفالدنسيين قبل عودتهم مجددًا بمساعدة القوى البروتستانتية الأوروبية.

الإرث

تحتفظ الكنيسة الفالدنسية، التي لا تزال قائمة حتى اليوم كطائفة بروتستانتية معترف بها رسميًا في إيطاليا، بذكرى مجزرة 1655 كجزء أساسي من هويتها التاريخية الجماعية، وتُعد من أقدم الطوائف البروتستانتية المستمرة في أوروبا دون انقطاع منذ ما قبل الإصلاح اللوثري نفسه. تبقى قصيدة ميلتون، إلى جانب السجلات التي جمعها ليجيه، أبرز الشواهد الأدبية والتاريخية على واحدة من أكثر حلقات الاضطهاد الديني الداخلي وحشية التي شهدتها أوروبا الكاثوليكية بحق أقلية مسيحية بروتستانتية صغيرة العدد لكنها عريقة التاريخ.

المصادر

  • Jean Léger, Histoire générale des Églises évangéliques des vallées de Piémont ou Vaudoises (Leyde, 1669)
  • Gabriel Audisio, The Waldensian Dissent: Persecution and Survival, c.1170–c.1570 (Cambridge University Press, 1999)
  • Euan Cameron, The Reformation of the Heretics: The Waldenses of the Alps, 1480–1580 (Oxford University Press, 1984)
  • John Milton, “On the Late Massacre in Piedmont” (Sonnet XVIII, 1655) — النص الشعري الأصلي كمصدر أولي
  • Thomas Carte / State Papers of the Interregnum — المراسلات الدبلوماسية لكرومويل حول الحادثة
  • Stephen Wright, “The Politics of the Piedmont Massacre”, في دراسات حول السياسة الخارجية لكرومويل

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *