في الثاني والعشرين من يوليو عام 1209، وفي يوم عيد القديسة مريم المجدلية، اقتحم جيش صليبي كاثوليكي مدينة بيزييه في جنوب فرنسا وذبح كل من فيها من الرجال والنساء والأطفال، بمن فيهم من احتموا داخل الكنائس ذاتها. لم تكن ضحايا هذه المجزرة من طائفة أخرى أو دين آخر، بل كان أغلبهم كاثوليكًا مثل قاتليهم تمامًا؛ فقط لأن المدينة احتضنت أقلية من “الهراطقة” الكاثار ورفضت تسليمهم. تُعد مجزرة بيزييه الحدث الافتتاحي لحملة صليبية استمرت عشرين عامًا كاملة، دُعيت “الحملة الصليبية الألبيجنسية”، وتُعد من أعنف حملات الإبادة الدينية التي شنّتها الكنيسة الكاثوليكية داخل أوروبا المسيحية نفسها.
خلفية: من هم الكاثار؟
انتشرت في إقليم لانغدوك بجنوب فرنسا، بدءًا من القرن الثاني عشر، حركة دينية ثنائية العقيدة عُرفت بالكاثارية أو “الألبيجنسية” نسبة إلى مدينة ألبي. آمن الكاثار بوجود إلهين: إله خيّر روحاني خلق عالم الروح، وإله شرير مسؤول عن خلق المادة والجسد، واعتبروا الكنيسة الكاثوليكية الرسمية بثرواتها وسلطتها الدنيوية مؤسسة فاسدة منحرفة عن جوهر تعاليم المسيح. لاقت هذه الأفكار قبولًا واسعًا بين نبلاء وفلاحي لانغدوك، خاصة أن كثيرًا من نبلاء المنطقة، وعلى رأسهم كونت تولوز ريمون السادس، تسامحوا مع وجودها بل حموها، لأسباب سياسية أكثر منها عقائدية.
حاول البابا إنوسنت الثالث في البداية مواجهة الكاثارية بالوعظ والإقناع، فأرسل رهبانًا من جماعة السستريين ثم دومينيك غوزمان (مؤسس الرهبنة الدومينيكانية لاحقًا) لمجادلة الكاثار ورد الناس إلى الكاثوليكية. لكن هذه الجهود السلمية لم تحقق نتائج تُذكر أمام الانتشار المتزايد للحركة.
الشرارة: اغتيال المندوب البابوي
في يناير 1208، اغتيل المندوب البابوي بيير دي كاستلنو على يد أحد فرسان بلاط كونت تولوز، بعد لقاء متوتر بينهما، إذ كان كاستلنو قد حرم ريمون السادس كنسيًا لتقاعسه عن ملاحقة الكاثار. اعتبر البابا إنوسنت الثالث هذا الاغتيال إهانة مباشرة لسلطة الكنيسة، فأصدر نداءً رسميًا بحملة صليبية ضد “الهراطقة” وحماتهم في لانغدوك، ومنح المشاركين فيها الغفران الكامل نفسه الممنوح لصليبيي بيت المقدس، مع وعد إضافي مغرٍ: مصادرة أراضي النبلاء “الهراطقة” أو المتسامحين معهم ومنحها لمن يشارك في الحملة. كان هذا الوعد بالغنائم الأرضية حافزًا قويًا استقطب آلاف الفرسان من شمال فرنسا، حيث لم يكن كثير منهم مدفوعين بحماسة دينية بقدر ما كانوا يطمعون في أراضي الجنوب الخصبة.
حصار بيزييه والمجزرة
في صيف 1209، تجمّع الجيش الصليبي بقيادة المندوب البابوي أرنو أمالريك، رئيس دير سيتو، ووصل إلى أسوار بيزييه. كانت المدينة يقطنها كاثوليك وكاثار معًا، إذ لم يتجاوز عدد الكاثار المعروفين فيها بضع مئات من إجمالي سكان قُدّروا بعشرة آلاف نسمة أو أكثر. طالب الصليبيون الأسقف المحلي بتسليم قائمة أسماء “الهراطقة”، فرفض سكان المدينة تسليم جيرانهم، مفضّلين الدفاع عن مدينتهم جماعيًا بغض النظر عن معتقد كل فرد.
في اليوم الأول من الحصار، قام بعض المدافعين بغارة صغيرة خارج الأسوار، فتبعهم جنود المشاة غير النظاميين في الجيش الصليبي (يُعرفون بـ”الروتييه”) واقتحموا المدينة قبل أن يتمكن القادة من ضبط الهجوم. تحوّل الاقتحام إلى مذبحة عشوائية شاملة: قُتل كل من عُثر عليه في الشوارع، واحتمى آلاف من السكان بكنيسة القديسة مريم المجدلية (سانت-مادلين) وكاتدرائية سان-نازير، فأُحرقت الكنائس بمن فيها. تراوحت تقديرات المؤرخين لعدد القتلى بين سبعة آلاف وعشرين ألفًا، في يوم واحد.
“اقتلوهم جميعًا، فالله يعرف أتباعه”
نسب الراهب الألماني قيصريوس الهايستربخي، في كتابه “حوار المعجزات” المكتوب بعد الحدث بسنوات قليلة، إلى المندوب البابوي أرنو أمالريك عبارة أصبحت لاحقًا الأكثر ارتباطًا بهذه المجزرة: إذ سُئل كيف يمكن للجند التمييز بين الكاثوليك والهراطقة داخل المدينة، فأجاب بأن يقتلوهم جميعًا “فالله يعرف أتباعه” (Caedite eos. Novit enim Dominus qui sunt eius). يتحفظ مؤرخون معاصرون على صحة نسبة هذه العبارة حرفيًا لأمالريك، لكنها تعكس بدقة الروح التي حكمت المجزرة: قتل جماعي غير مُميِّز، إذ كتب أمالريك نفسه في رسالة موجّهة إلى البابا إنوسنت الثالث بُعيد الحدث أن الصليبيين “لم يفرّقوا في العمر أو الجنس أو المكانة”.
ما بعد بيزييه: عشرون عامًا من الإبادة
لم تكن بيزييه سوى البداية. سقطت مدينة كاركاسون بعدها بأسابيع، وتولى الفارس سيمون دي مونفور قيادة الحملة العسكرية وأصبح فيكونت الأراضي المصادرة. استمرت الحملة الألبيجنسية حتى عام 1229، وشهدت سلسلة من المجازر المماثلة: إحراق نحو 140 من الكاثار أحياء في مينيرف عام 1210، وإحراق جماعي أكبر في لافور عام 1211 راح ضحيته عشرات آخرون إلى جانب شنق سيد القلعة وإغراق سيدتها في بئر. تواصلت الحملة عسكريًا وسياسيًا حتى تنازل آخر ورثة كونتية تولوز عن استقلالهم بموجب معاهدة باريس عام 1229، مما أنهى الاستقلال السياسي لجنوب فرنسا وأدمجه نهائيًا في مملكة فرنسا.
لم تنته المطاردة رغم ذلك؛ فقد أسست الكنيسة محاكم التفتيش البابوية في العقد التالي خصيصًا لتعقّب بقايا الكاثار، وانتهت هذه الحقبة بمحرقة جماعية أخرى في حصن مونتسيغور عام 1244، حيث أُحرق أكثر من مئتي كاثاري رفضوا التراجع عن عقيدتهم بعد سقوط الحصن. بحلول نهاية القرن الثالث عشر، كانت الكاثارية قد اختفت شبه كليًا من أوروبا.
الإرث
إضافة إلى الإبادة الدينية المباشرة، محت الحملة الألبيجنسية حضارة أوكسيتانية غنية ازدهرت فيها ثقافة الشعراء الجوّالين (التروبادور) واللغة الأوكسيتانية، وأعادت رسم الخريطة السياسية لفرنسا بضم الجنوب المستقل تاريخيًا إلى سلطة التاج الفرنسي المركزي في باريس. يعتبر مؤرخون كثر أن حصيلة الحملة بأكملها بلغت مئات الآلاف من القتلى، رغم صعوبة التحقق من أرقام دقيقة لتلك الحقبة.
المصادر
- Mark Gregory Pegg, A Most Holy War: The Albigensian Crusade and the Battle for Christendom (Oxford University Press, 2008)
- Jonathan Sumption, The Albigensian Crusade (Faber & Faber, 1978)
- Malcolm Lambert, The Cathars (Blackwell Publishing, 1998)
- Laurence W. Marvin, The Occitan War: A Military and Political History of the Albigensian Crusade, 1209–1218 (Cambridge University Press, 2008)
- Zoé Oldenbourg, Massacre at Montségur: A History of the Albigensian Crusade (Pantheon Books, 1961)
- Caesarius of Heisterbach, Dialogus Miraculorum (المصدر الأقدم لعبارة “اقتلوهم جميعًا”)


لا يوجد تعليق