Schmemann  Liturgy and Critical Study

«من أجل حياة العالم» (For the Life of the World) لألكسندر شميمان: قراءة نقدية

بطاقة الكتاب

  • المؤلف: ألكسندر شميمان (1921–1983)، لاهوتي وليتورجي أرثوذكسي روسي الأصل، وُلد في إستونيا ونشأ في باريس، ودرس ودرّس في معهد القديس سرجيوس اللاهوتي. انتقل سنة 1951 إلى نيويورك، وتولى عمادة معهد القديس فلاديمير اللاهوتي من 1962 حتى وفاته. وعُرف أيضاً ببرامجه الإذاعية الموجَّهة إلى الاتحاد السوفييتي.
  • الكتاب: صدر سنة 1963 بعنوان «من أجل حياة العالم: الأسرار والأرثوذكسية»، وكُتب أصلاً لطلاب جامعيين، ثم صدرت منه طبعة منقّحة سنة 1973. وهو أشهر كتبه وأوسع كتب اللاهوت الأرثوذكسي انتشاراً في الغرب.
  • طبيعته: مقالة لاهوتية ليتورجية موجزة، أقرب إلى التأمل منها إلى البحث. لذلك يتجه النقد إلى فرضياتها ومفاهيمها، وليس إلى تفاصيل تاريخية.

نبذة عن الكتاب

  1. العالم سرّ: الخليقة عطية من الله، والطعام والماء والحياة كلها وسائط لمعرفة المعطي. ويستهل الكتاب بعبارة فويرباخ «الإنسان هو ما يأكل» ليقلبها إلى أن الإنسان كائن يأكل ليشكر.
  2. الإنسان كائن عابد: التعريف الأول للإنسان عنده أنه كاهن الخليقة: يتلقى العالم عطية، ويقدّمه شكراً إلى الله، وبذلك يصير العالم شركة معه.
  3. السقوط: ليس أساساً مخالفة قانونية، بل حياة غير إفخارستية في عالم غير إفخارستي. أي أن الإنسان رأى العالم غاية في ذاته وليس عطية.
  4. العلمنة: ترى الفصل بين «المقدس» و«الدنيوي» أصل المشكلة. فالمسيحية عنده ليست «ديناً» يعزل ميداناً مقدساً عن الحياة.
  5. الأسرار: المعمودية والميرون دخول في حياة الملكوت، والإفخارستيا «سرّ الملكوت»: صعود الجماعة إلى المسيح ثم عودتها إلى العالم شاهدة. ويعالج بعدها ما يتصل بالتوبة والزواج والموت في ضوء الفكرة نفسها.
  6. نقد الفكر الغربي: يرى أن اللاهوت المدرسي اختزل الأسرار في مسائل «كيف» و«متى» و«الصحة»، ففصلها عن الليتورجيا والكنيسة.

النقد

الكتاب مؤثر، وقوة أثره من بلاغته. والنقد الآتي لا يتناول الدفء الروحي فيه، بل بنيته الفكرية.

1. النوع الأدبي: الشعار مكان الحجة

معظم دعاوى الكتاب تُقدَّم كأنها بديهيات مستمدة من «خبرة الكنيسة»: أن الإنسان كاهن، وأن السقوط لا إفخارستية، وأن الكنيسة الأولى عاشت الملكوت في الليتورجيا. ويبني الكتاب أطروحته على ثنائيات حادة (الدين والمسيحية، والمقدس والدنيوي، والرمز والحقيقة، والعالم والكنيسة). والثنائية الحادة تحسم الأمر بالتسمية قبل الفحص. ومن يقرأ لا يجد استدلالاً يبدّل قناعته، بل رؤية تُعرض عليه ليقبلها أو يرفضها.

2. ثنائية «الدين» و«المسيحية»

يرى شميمان أن المسيحية أبطلت الفصل بين المقدس والدنيوي، وأن ما يعزل ميداناً مقدساً هو «الدين» بالمعنى الوثني. وهنا ثلاث مشكلات:

  • الليتورجيا الأرثوذكسية نفسها قائمة على الفصل. فيها الهيكل خلف الأيقونسطاس، والمذبح، والتقدمة المكرّسة، والأواني المخصصة، ونداء «القدسات للقديسين»، وطرد الموعوظين قبل القانون. وهذه كلها بنية تمييز بين المقدس وغيره.
  • العهد الجديد يستعمل «العالم» بمعنيين. ففي يوحنا 3: 16 هو موضوع محبة الله، وفي 1 يوحنا 2: 15–17 وغلاطية 1: 4 ويعقوب 4: 4 هو ما يُنهى عن محبته. واختيار الأول أساساً للكتاب قراءة انتقائية لا يفرضها النص.
  • التاريخ لا يشهد بالإبطال. ففي المسيحية نشأ كهنوت وهياكل وذبيحة وآثار قديسين وأعياد وأصوام وأماكن مخصصة. فالقول بأن المسيحية ألغت الفصل حكم معياري، وليس وصفاً لما جرى.

3. «الإنسان الكاهن» و«السقوط الإفخارستي»

يجعل الكتاب الكهنوت التعريف الأول للإنسان، ويقرأ قصة السقوط قراءة إفخارستية: الأكل المحرَّم رفض للشكر.

  • قد يجد المفسّر في «ليعملها ويحفظها» (تكوين 2: 15) ظلالاً كهنوتية وفي عدن صورة مقدس، وهو رأي له أنصار من الدارسين. لكنه يبقى قراءة من بين قراءات. فالنص لا يذكر شكراً ولا تقدمة ولا ليتورجيا، والمعنى الأقرب في القصة مخالفة نهي.
  • المشكلة المنهجية أن هذه القراءة لا تقبل الاختبار. فأي عنصر في القصة يمكن إدخاله في إطارها، وأي حياة يمكن وصفها بأنها «غير إفخارستية». وحين لا يوجد ما يظهر خطأ القراءة تفقد قدرتها على الإقناع.
  • ويلزم عنها حكم ثقيل: أن الناس عبر التاريخ، وبينهم من لم يعرفوا الإفخارستيا أبداً، عاشوا في «سقوط» لأنهم لم يقدّموا الشكر بالصيغة التي يفترضها الكتاب.

4. «العالم سرّ»: مفهوم يتسع حتى يفقد معناه

إن كان العالم كله سراً، فقد اختفى الفارق الذي يجعل لكلمة «سر» معنى. ومع ذلك يقرر الكتاب، كما يقرر التراث الأرثوذكسي، أن للأسرار الكنسية فعلاً خاصاً: المعمودية للدخول، والإفخارستيا مركز الكنيسة. فيجتمع في الكتاب مبدآن يشدّ كل منهما في اتجاه:

  • عموم: كل شيء سرّي بطبيعته.
  • خصوص: الأسرار المحدّدة في الكنيسة، وعنوان الكتاب نفسه «الأسرار والأرثوذكسية».

وما لم يُبيَّن كيف يتصل المبدآن، بقي السؤال مفتوحاً: هل تتوقف سرّية العالم على الأسرار الكنسية؟ وما حال من هم خارج الكنيسة؟ وهل تصلح الأسرار في كنائس أخرى؟ والجواب هنا يقرره الانتماء وليس الحجة.

5. الرمز والحقيقة: لفظ بمعنيين

يعيد شميمان تعريف «الرمز»: ليس عنده مجرد علامة تشير إلى غائب، بل هو ما يُظهر الحقيقة ويشارك فيها، كما رأى الآباء. ويصل من هنا إلى أن الإفخارستيا رمز وحقيقة معاً. وفيه إشكالان:

  • لفظ بمعنيين يحمي الدعوى. إذا قيل إن الدعوى بلا فرق يمكن ملاحظته، جاء الجواب: هي حقيقية. وإذا قيل إنها سحر، جاء الجواب: هي رمز. والدعوى التي تنتقل بين المعنيين بحسب الاعتراض لا يمكن أن تُدحض.
  • استعمال الآباء لم يكن واحداً. فأوغسطين يتكلم عن «علامة»، وترتليان عن «صورة»، وغيرهما بلغة الحلول. وحين حكمت الكنيسة الشرقية في القرن الثامن، قال مجمع هيريا (754) إن الإفخارستيا هي «الصورة» الحقة للمسيح، ورد مجمع نيقية الثاني (787) بأن القرابين بعد التقديس لا تُسمّى صوراً، وإن جاز ذلك قبله، كما تدل لفظة «الأنتيتيبا» في صلاة باسيليوس. فالمصطلح نفسه احتاج إلى قرار مجمعي في الشرق، ولم يكن له معنى مستقر متفق عليه.

ويعرض الكتاب كذلك أسئلة «كيف» و«متى» يتحول الخبز على أنها تفكير مدرسي غربي. لكن السؤال عما إذا كان في الخبز تغيير في الواقع أم لا هو سؤال عن محتوى الدعوى، وليس عن مدرسة. ومن يرفض تحديد المحتوى يترك الدعوى غير محدّدة، وهذا لا يجعلها خطأ، لكنه يجعل الحكم عليها ممتنعاً.

6. «الليتورجيا مرجع العقيدة»: أي ليتورجيا؟

ينطلق الكتاب، مع مدرسة «اللاهوت الليتورجي»، من أن الصلاة الكنسية مصدر العقيدة. لكن:

  • الليتورجيات متعددة ومتخاصمة. للأقباط والسريان الغربيين والأرمن واللاتين والكنيسة الشرقية ليتورجيات قديمة، وكل منها يدّعي الأصل الرسولي والحقيقة السرّية نفسها، مع اختلاف عقائدي بينها. وأنافورا أدّاي وماري، وهي قديمة جداً وتستعملها كنيسة المشرق، تخلو في صورتها المعروفة من رواية التأسيس، وقد أقرّت روما صحتها سنة 2001. فلا تصلح الليتورجيا حكماً بين العقائد، لأن كل عقيدة تجد ليتورجيا تناسبها. وكذلك أُدخل «الفيليوكي» في قانون الإيمان المنشَد في الغرب، فصار له أيضاً «قانون صلاة».
  • الليتورجيا الواحدة تغيّرت. فالقداس البيزنطي تكوّن عبر قرون، ودخله قانون الإيمان وغيره في مراحل معروفة. فأي مرحلة هي «المرجع»؟
  • الدراسات الحديثة لا تسند صورة الأصل الموحَّد. فقد بيّن بول برادشو وموريس جونسون وغيرهما أن أشكال العبادة المبكرة كانت أكثر تنوعاً بكثير مما افترضه النموذج القديم، مثل نموذج «شكل الليتورجيا» لدوم غريغوري ديكس (1945) ذي الحركات الأربع. ولا يمكن تعيين نمط أول متماسك تقوم عليه بقية الأنماط. وهذا يضعف فكرة أن الشرق حفظ «الأصل» بينما ابتعد عنه الغرب المدرسي.

7. الملكوت والإفخارستيا: رجاء أُعيدت قراءته

يقرر الكتاب أن خبرة الكنيسة الأولى في الإفخارستيا خبرة «ملكوت»: صعود إلى السماء وتذوّق مسبق لما هو آتٍ.

  • تُظهر نصوص العهد الجديد رجاءً بمجيء قريب: مرقس 9: 1، ومتى 24: 34، و1 تسالونيكي 4: 15–17، و1 كورنثوس 7: 29. وحين لم يتحقق الرجاء بصورته الأولى، أُعيدت قراءة الملكوت بوصفه حاضراً في العبادة.
  • في إنجيل يوحنا نزعة إلى «الأخرويات المتحققة»، ففي القراءة سند نصي، لكن أولويتها على النزعة المستقبلية الظاهرة في الأناجيل الإزائية وبولس هي موضع الخلاف نفسه.
  • صيغة «حاضر وآتٍ معاً» تحتمل كل الوقائع، فإن وقع شيء قيل إنه العلامة، وإن لم يقع قيل إنه «لم يأتِ بعد». والصيغة التي لا يعارضها أي حدث لا تُعدّ إخباراً عن العالم.

8. العالم عطية: بين التفاؤل الإفخارستي والشر

يقوم الكتاب على أن العالم خير وعطية، وأن السقوط أفسد نظرنا إليه وليس العالم نفسه.

  • العالم الذي نشأ فيه الإنسان، كما تصفه علوم الأرض والأحياء، انقرضت فيه الغالبية الساحقة من الأنواع التي وُجدت، وعُرف فيه الافتراس والطفيليات والأمراض والموت قبل ظهور الإنسان بمئات ملايين السنين. فإن كان سبب الفساد في العالم هو سقوط الإنسان، كما يقرر التراث الذي يمثله الكتاب، فالتسلسل الزمني لا يسانده.
  • ولا يتناول الكتاب مشكلة الشر الطبيعي، وهذا مفهوم في مقالة قصيرة. لكن دعوى أن العالم كله عطية تحتاج إلى الجواب عنها.
  • وفي الجانب الأخلاقي، يفترض الكتاب أن الحياة الإفخارستية تنتج عالماً متجدداً. غير أن الليتورجيا نفسها رافقت عبر القرون مواقف اجتماعية متعارضة: فقد عاش المجتمع البيزنطي مع الرق، وبقي القنّ في روسيا القيصرية حتى 1861 دون أن تقدّم الليتورجيا نفسها معياراً يحكم على ذلك. وإذا كان الأثر الأخلاقي يُفسَّر بالنجاح تارة وبعدم «تحقق الإفخارستيا» تارة أخرى، فلا يمكن أن يكون دليلاً.

الخلاصة

«من أجل حياة العالم» نص جميل النبرة، وهدفه مقاومة اختزال الدين إلى واجبات وتأمين اجتماعي مقبول. لكن أساسه مجموعة قراءات لا تقبل الفحص: قراءة كهنوتية للإنسان الأول، وقراءة إفخارستية للسقوط، وتعريف للرمز يحمي الدعوى من الاعتراض، ومرجعية للصلاة الكنسية لا تحسم أي خلاف، وتأويل للأخرويات يعوّض رجاء لم يتحقق. وهو كتاب يُقنع من يقبل مسبقاً منظوره، ولا يقدم لمن يسأل «لماذا؟» ما يكفي.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *