حمام دم ستوكهولم 1520: حين تحوّل تتويج ملكي إلى مذبحة نفّذها أسقف كاثوليكي بذريعة الهرطقة
المقدمة
في الثامن والتاسع من نوفمبر عام 1520، وبعد أيام قليلة فقط من تتويجه ملكًا على السويد، أمر الملك الدنماركي كريستيان الثاني بإعدام أكثر من ثمانين من كبار النبلاء ورجال الدين والبرجوازية السويديين في ساحة القصر الملكي الكبرى بستوكهولم، في مذبحة عُرفت لاحقًا بـ”حمام دم ستوكهولم”. لم تكن هذه المذبحة نزاعًا دينيًا مباشرًا بين طوائف مسيحية متمايزة، بل استُخدم فيها الدين كأداة تبرير قانوني وأخلاقي مباشر: إذ استند الملك إلى تهمة “هرطقة” كنسية أصدرها أسقف كاثوليكي رسمي لتبرير إعدام خصومه السياسيين، في مثال صارخ على تحالف السلطة الزمنية والسلطة الكنسية لتصفية معارضين سياسيين تحت غطاء ديني.
خلفية: اتحاد كالمار المتصدع
منذ عام 1397، جمع “اتحاد كالمار” ممالك الدنمارك والسويد والنرويج تحت تاج واحد، لكن هذا الاتحاد ظل هشًا ومتوترًا طوال قرن كامل، إذ سعت النخبة النبيلة السويدية، بقيادة عائلة ستور القوية، لاستعادة استقلال سياسي فعلي عن الهيمنة الدنماركية المتزايدة. تصاعد هذا التوتر في مطلع القرن السادس عشر مع سياسات الملك الدنماركي كريستيان الثاني التوسعية الرامية لإعادة فرض سيطرة دنماركية مباشرة وكاملة على السويد، في مواجهة مقاومة سياسية وعسكرية قادها الوصي السويدي ستن ستور الأصغر.
لعبت الكنيسة دورًا محوريًا في هذا الصراع السياسي؛ إذ كان غوستاف تروله، رئيس أساقفة أوبسالا (أعلى منصب كنسي في السويد)، حليفًا موثوقًا للملك كريستيان الثاني ومعارضًا شرسًا لاستقلالية عائلة ستور، بعد نزاع شخصي وسياسي طويل بينه وبين ستن ستور الأصغر حول صلاحيات كنسية وأراضي متنازع عليها. حاصر ستن ستور قلعة أسقفية تروله الحصينة (قلعة ستاكيت) عام 1517، ودفع مجلس النبلاء السويدي لعزل تروله من منصبه الكنسي رسميًا، وهو قرار اعتبره البابا ليو العاشر في روما تعديًا صريحًا غير مقبول على سلطة كنسية لا يحق لسلطة زمنية التدخل فيها.
الحرم الكنسي كسلاح سياسي
استغل كريستيان الثاني هذا النزاع الكنسي ببراعة سياسية واضحة؛ فبدعم مباشر من البابا ليو العاشر، الذي اعتبر عزل تروله انتهاكًا للسلطة الكنسية يستوجب عقابًا صارمًا، أصدرت السلطات الكنسية حرمانًا كنسيًا رسميًا بحق ستن ستور وأنصاره، معتبرة تمردهم على الأسقف تروله فعل “هرطقة” يستوجب تدخلًا عسكريًا-دينيًا مشتركًا لإخضاعه. منح هذا الحرم الكنسي كريستيان الثاني الذريعة الدينية والقانونية التي احتاجها لغزو السويد عسكريًا بصفته “حاميًا” للنظام الكنسي المشروع ضد “هراطقة” متمردين، بدل أن يظهر مجرد غازٍ أجنبي طامع في استعادة السيطرة السياسية المباشرة.
نجح كريستيان الثاني عسكريًا في حملته، خصوصًا بعد مقتل ستن ستور نفسه متأثرًا بجراح أصيب بها في معركة حاسمة مطلع 1520، وتُوّج كريستيان ملكًا رسميًا على السويد في السادس من نوفمبر 1520 بمراسم دينية كاملة في كاتدرائية ستوكهولم الكبرى، وأصدر في المناسبة نفسها عفوًا عامًا رسميًا شمل جميع من عارضوه سياسيًا خلال الحملة، في خطوة بدت مصالحة حقيقية.
المذبحة
لم يدم هذا العفو المعلن سوى أيام قليلة؛ ففي السابع من نوفمبر 1520، وبتحريض مباشر من الأسقف غوستاف تروله الذي أصرّ على أن العفو الملكي لا يشمل “الهراطقة” الذين تسببوا في عزله وحرمانهم الكنسي السابق، عُقدت محاكمة كنسية سريعة اتهمت عددًا كبيرًا من النبلاء وأعضاء مجلس الشيوخ وكبار رجال الدين والتجار البارزين في ستوكهولم بتهمة الهرطقة والتسبب في عزل الأسقف الشرعي، استنادًا مباشرة للحرم الكنسي البابوي السابق.
في الثامن من نوفمبر، أُعدم أول دفعة من المتهمين، أغلبهم من كبار النبلاء، قطعًا للرأس علنًا في الساحة الكبرى أمام القصر الملكي، وتلتها في اليوم التالي دفعات إضافية شملت أساقفة ورجال دين وتجارًا بارزين وحتى بعض عامة السكان المشتبه بتعاطفهم مع المعارضة السابقة. تراوحت تقديرات إجمالي عدد القتلى بين اثنين وثمانين وأكثر من مئة قتيل بحسب مصادر مختلفة، معظمهم من النخبة السياسية والاجتماعية السويدية، في ضربة استهدفت بوضوح شل أي قيادة معارضة محتملة مستقبلية عبر تصفية جيل كامل تقريبًا من القيادات النبيلة السويدية دفعة واحدة.
لم تتوقف المذبحة عند الإعدامات المباشرة؛ فقد أمر كريستيان الثاني أيضًا بنبش جثة ستن ستور الأصغر نفسه من قبره وحرقها علنًا رمزيًا، إلى جانب جثة طفله الرضيع الذي كان قد توفي قبل ذلك، في فعل انتقامي رمزي إضافي يهدف لمحو أي إرث رمزي متبقٍ لزعيم المقاومة السويدية.
ردود الفعل والانتفاضة المضادة
بدل أن تحقق المذبحة هدفها المعلن بترسيخ سلطة كريستيان الثاني نهائيًا على السويد، أنتجت رد فعل عكسيًا حاسمًا؛ إذ أثارت فظاعتها وشمولها لشخصيات محترمة واسعة النفوذ غضبًا شعبيًا عارمًا اعتُبر معه كريستيان الثاني طاغية دمويًا لا شريكًا شرعيًا، حتى في أوساط كانت متذبذبة الولاء سابقًا. استغل الشاب غوستاف فاسا، وهو نبيل سويدي نجا بأعجوبة من المذبحة (كان قد أُرسل رهينة للدنمارك سابقًا ثم فرّ منها) هذا الغضب الشعبي المتصاعد، فقاد انتفاضة مسلحة واسعة انطلقت من إقليم دالارنا عام 1521، ونجحت خلال عامين فقط في طرد القوات الدنماركية بالكامل من السويد.
تُوّج غوستاف فاسا ملكًا مستقلًا على السويد عام 1523، منهيًا رسميًا اتحاد كالمار القديم ومؤسسًا سلالة فاسا الملكية التي حكمت السويد لأكثر من قرن، والتي تبنت لاحقًا، وبشكل حاسم في التاريخ الأوروبي، اللوثرية البروتستانتية رسميًا كدين للدولة عام 1527، جزئيًا كرد فعل مباشر على الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية الرسمية، ممثلة بالأسقف تروله والبابوية نفسها، في تبرير مذبحة 1520 التي أطلقت شرارة الاستقلال السويدي بأكملها.
الإرث
يُعد حمام دم ستوكهولم اليوم حدثًا تأسيسيًا محوريًا في الذاكرة الوطنية السويدية، يُنظر إليه باعتباره اللحظة التي أطلقت مسار الاستقلال السويدي النهائي عن الدنمارك وعن النفوذ الكنسي الكاثوليكي الروماني معًا في آن واحد، ومثالًا تاريخيًا مبكرًا صارخًا على كيفية توظيف السلطة الدينية (الحرم الكنسي، تهمة الهرطقة) كأداة سياسية مباشرة لتصفية معارضين، بمباركة بابوية رسمية من روما نفسها، قبل عقود قليلة فقط من أن تتحول السويد بأكملها، جزئيًا كرد فعل مباشر على هذه الحادثة، إلى واحدة من أكثر الممالك الأوروبية التزامًا باللوثرية البروتستانتية.
المصادر
- Lars-Olof Larsson, Gustav Vasa – landsfader eller tyrann? (Prisma, 2002)
- Michael Roberts, The Early Vasas: A History of Sweden, 1523–1611 (Cambridge University Press, 1968)
- Sven Ulric Palme, Stockholms blodbad (Norstedts, 1985)
- Dick Harrison, Stockholms blodbad (Historiska Media, 2020) — دراسة حديثة موسعة للحدث
- Herman Schück (ed.), دراسات ضمن The Cambridge History of Scandinavia, Vol. I (Cambridge University Press, 2003)
- Ingvar Andersson, A History of Sweden (George Allen & Unwin, 1956)


لا يوجد تعليق