مجزرة ميرندول 1545: حين أبادت فرنسا الكاثوليكية قرى الفالدنسيين في بروفانس بأمر ملكي رسمي
المقدمة
في أبريل عام 1545، وبأمر ملكي رسمي موقّع من الملك فرنسوا الأول نفسه، اجتاح جيش فرنسي نظامي مدعوم بمرتزقة إيطاليين قرى الفالدنسيين البروتستانت المنتشرة في إقليم لوبيرون ببروفانس جنوب فرنسا، ودمّر أكثر من عشرين قرية بالكامل، من بينها ميرندول وكابرييه اللتان أُبيد سكانهما شبه كليًا. راح ضحية هذه الحملة ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف قتيل، ونُفي أو استُعبد آلاف آخرين، في واحدة من أولى حملات الإبادة الجماعية الرسمية التي نفّذتها دولة أوروبية مركزية بأكملها، لا مجرد نبيل محلي أو رهبنة عسكرية، ضد مواطنيها البروتستانت، قبل عقدين كاملين من اندلاع حروب الدين الفرنسية الشاملة.
خلفية: فالدنسيو بروفانس
كما سبقت الإشارة في سياق مجزرة بيدمونت 1655، تعود جذور حركة الفالدنسيين إلى القرن الثاني عشر، حين أسسها بيير فالدو في ليون قبل أن تُحرم كنسيًا وتنتقل للعمل السري في مناطق جبلية معزولة عبر عدة قرون. إلى جانب معاقلهم الأصلية في جبال الألب البيدمونتية، استقر عدد كبير من الفالدنسيين منذ القرن الرابع عشر في منطقة لوبيرون بإقليم بروفانس جنوب شرق فرنسا، حيث أسسوا قرى زراعية مزدهرة نسبيًا، وحافظوا على معتقداتهم وممارساتهم الدينية المتميزة بهدوء نسبي لعدة قرون تحت تسامح محلي غير رسمي من السلطات الإقطاعية والكنسية المجاورة.
مع انطلاق الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، اندمج فالدنسيو بروفانس، مثل نظرائهم في بيدمونت، رسميًا مع التيار الكالفيني عام 1532 في مجمع تشانفوران، وأصبحوا جزءًا صريحًا من الحركة البروتستانتية الأوسع، مما جعلهم هدفًا مباشرًا لتصاعد القلق الكاثوليكي الرسمي إزاء انتشار “الهرطقة” اللوثرية-الكالفينية داخل فرنسا نفسها في تلك الحقبة المبكرة من الإصلاح.
مرسوم ميرندول 1540: التمهيد القانوني للمجزرة
في نوفمبر 1540، أصدر برلمان مدينة إكس-أون-بروفانس (المحكمة الإقليمية العليا) حكمًا قضائيًا صارمًا عُرف بـ”مرسوم ميرندول”، أدان بموجبه تسعة عشر من سكان قرية ميرندول غيابيًا بتهمة الهرطقة، وحكم عليهم بالإعدام حرقًا، مع أمر إضافي بهدم القرية بأكملها وتشتيت سكانها. لم يُنفَّذ هذا الحكم فورًا بفضل تدخلات دبلوماسية وتأجيلات متكررة، بما فيها عفو ملكي مشروط أصدره فرنسوا الأول نفسه عام 1541 منح بموجبه الفالدنسيين مهلة للتراجع عن معتقداتهم “الهرطوقية”، لكن هذا التسامح الهش لم يدم طويلًا أمام تصاعد الضغط الكنسي والقضائي المحلي المتشدد بقيادة الرئيس الأول لبرلمان إكس، جان مينييه دوبوار، المعروف بعدائه الشديد للفالدنسيين.
القرار الملكي النهائي
بحلول 1545، وتحت ضغط متصاعد من مينييه ومن الكاردينال المحافظ فرانسوا دو تورنون، أحد أبرز مستشاري البلاط الملكي المناهضين للإصلاح البروتستانتي، أصدر الملك فرنسوا الأول أمرًا ملكيًا رسميًا بتنفيذ مرسوم ميرندول القديم بالكامل، مخوّلًا الجيش الملكي النظامي بتنفيذ العملية مباشرة، بدل تركها لمبادرات محلية غير منظمة كما جرت العادة في مجازر مماثلة سابقة. عيّن الملك جان مينييه نفسه قائدًا مسؤولًا عن الإشراف القانوني على الحملة، بينما تولى القيادة العسكرية الفعلية البارون دي لا فور، بدعم من فرقة مرتزقة إيطاليين محترفين متمرسين في القتال العنيف، أُحضروا خصيصًا من نابولي بحسب بعض الروايات.
الحملة والمجزرة
بدأت الحملة العسكرية في التاسع عشر من أبريل 1545، واجتاحت القوات الملكية قرى لوبيرون واحدة تلو الأخرى بمنهجية عسكرية منظمة تمامًا، لا انفلاتًا عشوائيًا كما جرى في مجازر أخرى مشابهة. أُبيدت قرية ميرندول نفسها، التي كانت الهدف الرمزي الأول للمرسوم القديم، عن آخرها تقريبًا، وأُحرقت منازلها بالكامل ودُمرت بساتينها وحقولها الزراعية بشكل متعمد لمنع أي عودة مستقبلية محتملة للسكان الناجين.
شهدت قرية كابرييه أحد أكثر فصول الحملة وحشية؛ إذ لجأ إليها عدد كبير من سكان القرى المجاورة هربًا من التقدم العسكري، معتقدين أن استسلامهم سيضمن سلامتهم بعد وعد بالأمان من القادة المهاجمين. لكن بعد فتح أبواب القرية والاستسلام الفعلي، انقضت القوات على السكان في مجزرة جماعية شملت، بحسب شهادات معاصرة نقلها المؤرخ البروتستانتي جان كريسبان لاحقًا، حرق نساء داخل كنيسة القرية بعد احتجازهن فيها، وإعدام الرجال بشكل شبه كامل، فيما نُفي أو استُعبد عدد كبير من النساء والأطفال الناجين، أُرسل بعضهم كمجدّفين قسريين إلى سفن الأسطول الملكي الفرنسي في مارسيليا، في مصير يوازي عمليًا عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.
استمرت الحملة أسبوعًا كاملًا تقريبًا، ودمّرت خلالها أكثر من عشرين إلى ثلاثين قرية فالدنسية بحسب مصادر مختلفة، وتراوحت تقديرات إجمالي القتلى بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف قتيل مباشر، إلى جانب آلاف إضافية من النازحين الذين فروا نحو مناطق بروتستانتية أكثر أمانًا كجنيف السويسرية.
ردود الفعل والتحقيق المتأخر
أثارت فظاعة الحملة، حتى وسط أجواء كاثوليكية معادية للإصلاح البروتستانتي عمومًا، انتقادات محدودة لكن ملحوظة من بعض الأوساط الفرنسية نفسها، خصوصًا بعد أن انتشرت تفاصيل المجزرة عبر منشورات بروتستانتية في أوروبا. بعد وفاة فرنسوا الأول عام 1547، فتح خلفه الملك هنري الثاني تحقيقًا رسميًا محدودًا في الحادثة، أفضى عام 1551 إلى إعدام جان مينييه نفسه، ليس تعويضًا مباشرًا عن المجزرة بحد ذاتها، بل إدانة له بتهم فساد مالي وسوء استخدام السلطة مرتبطة جزئيًا بإدارته للحملة، في نتيجة رمزية محدودة الأثر لم تُقدم أي تعويض حقيقي للناجين أو استعادة لممتلكاتهم المصادرة.
الإرث
تُعد مجزرة ميرندول وكابرييه سابقة تاريخية مهمة باعتبارها من أوائل حملات القمع الديني المنظمة رسميًا على مستوى دولة مركزية كاملة (لا مبادرة محلية معزولة) ضد مواطنيها البروتستانت داخل فرنسا، قبل عقدين كاملين من اندلاع حروب الدين الفرنسية الرسمية عام 1562، وقبل سبع وعشرين سنة من مجزرة بارثولوميو الأكبر حجمًا والأشهر تاريخيًا. تُظهر هذه الحادثة المبكرة نمطًا سيتكرر عبر التاريخ الفرنسي اللاحق: الاستخدام المباشر لأجهزة الدولة المركزية القضائية والعسكرية معًا لقمع الأقليات الدينية، منذرة بما سيأتي لاحقًا من حروب دينية أوسع نطاقًا استمرت حتى نهاية القرن.
المصادر
- Gabriel Audisio, Les Vaudois: Histoire d’une dissidence, XIIe–XVIe siècle (Fayard, 1998)
- Jean Crespin, Histoire des martyrs persécutés et mis à mort pour la vérité de l’Évangile (Genève, 1554-1619, طبعات متعاقبة) — مصدر بروتستانتي معاصر أساسي
- Gabriel Audisio, The Waldensian Dissent: Persecution and Survival, c.1170–c.1570 (Cambridge University Press, 1999)
- Nicola Sutherland, “Persecution of Huguenots and Vaudois,” in The Huguenot Struggle for Recognition (Yale University Press, 1980)
- Euan Cameron, The Reformation of the Heretics: The Waldenses of the Alps, 1480–1580 (Oxford University Press, 1984)
- Gabriel Breghot du Lut, دراسات محلية حول سجلات برلمان إكس-أون-بروفانس المتعلقة بالحدث


لا يوجد تعليق