في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1572، وقبيل فجر يوم عيد القديس بارثولوميو، دقّت أجراس كنيسة سان جيرمان لوكسيروا في باريس، لا للصلاة، بل كإشارة بدء لمجزرة جماعية استهدفت الفرنسيين البروتستانت المعروفين بـ”الهوغونوت”. خلال ساعات قليلة، تحوّلت شوارع باريس إلى مجزرة دموية راح ضحيتها آلاف القتلى، ثم امتدت موجة العنف إلى مدن فرنسية أخرى على مدى أسابيع، لتخلّف ما بين عشرة آلاف وثلاثين ألف قتيل بحسب تقديرات مختلف المؤرخين. تُعد هذه المجزرة الحدث الأكثر دموية في سلسلة حروب الدين الفرنسية التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود بين الكاثوليك والبروتستانت.
خلفية: فرنسا الممزقة بين كاثوليك وهوغونوت
منذ ستينيات القرن السادس عشر، انقسمت فرنسا بشدة بين الكاثوليكية الرسمية والحركة الكالفينية البروتستانتية التي عُرف أتباعها بـ”الهوغونوت”، وضمّت شريحة واسعة من النبلاء والبرجوازية الفرنسية، وعلى رأسهم عائلة بوربون وأمير كوندي، وقائدهم العسكري والسياسي الأبرز الأميرال غاسبار دو كوليني. اندلعت منذ عام 1562 سلسلة من “حروب الدين” المتقطعة بين الفريقين، تخللتها هدنات هشة ومجازر متبادلة على نطاق أصغر.
سعت الملكة الأم كاثرين دي ميديشي، الحاكمة الفعلية باسم ابنها الملك الشاب شارل التاسع، إلى تهدئة الصراع عبر زواج سياسي رمزي: تزويج ابنتها الكاثوليكية مارغريت دي فالوا من هنري ملك نافارا، زعيم الهوغونوت الشاب (الذي سيصبح لاحقًا الملك هنري الرابع). أُقيم الزفاف في الثامن عشر من أغسطس 1572 في كاتدرائية نوتردام بباريس، وحضره آلاف النبلاء البروتستانت الذين قدموا من كل أنحاء فرنسا للاحتفال، دون أن يدركوا أنهم يسيرون نحو فخ دموي.
محاولة اغتيال كوليني
في الثاني والعشرين من أغسطس، أي بعد الزفاف بأربعة أيام، تعرّض الأميرال كوليني، القائد الأبرز للهوغونوت والمقرّب من الملك شارل التاسع شخصيًا، لمحاولة اغتيال أصابته بجروح في ذراعه ويده دون أن تقتله. لا يزال المسؤول عن هذه المحاولة موضع خلاف بين المؤرخين، لكن الشبهات تركزت حول عائلة غيز الكاثوليكية المتشددة، المنافسة لنفوذ كوليني المتصاعد على الملك، وربما بضلوع أو علم من كاثرين دي ميديشي نفسها التي كانت تخشى تنامي تأثير الأميرال على ابنها.
طالب الهوغونوت الغاضبون بالعدالة، وخشيت كاثرين ومستشاروها من ثورة انتقامية بروتستانتية وشيكة داخل باريس نفسها، حيث تجمّع آلاف النبلاء الهوغونوت لحضور الزفاف. في اجتماع طارئ مع كبار مستشاريها، بمن فيهم دوق أنجو (شقيق الملك) ودوق غيز، اتُخذ قرار استباقي: تصفية قادة الهوغونوت الرئيسيين قبل أن يتمكنوا من التحرك، بدءًا بكوليني نفسه.
ليلة المذبحة
في الساعات الأولى من فجر الرابع والعشرين من أغسطس، اقتحمت مجموعة مسلحة بقيادة رجال دوق غيز منزل كوليني، وقتلته طعنًا، ثم ألقت جثته من النافذة إلى الشارع حيث مثّل بها الحشد الغاضب. لكن ما كان يُفترض أن يكون عملية اغتيال محدودة النطاق ضد عدد قليل من القادة، خرج سريعًا عن السيطرة. دقّت أجراس الكنائس، وانتشرت الميليشيات الكاثوليكية المسلحة والحشود الشعبية الغاضبة في شوارع باريس، وبدأت بمطاردة كل من عُرف أو اشتُبه بأنه بروتستانتي، بغض النظر عن مكانته أو حتى عن كونه ضيفًا حضر للاحتفال بالزفاف الملكي.
قُتل النبلاء البروتستانت في فراشهم وفي الشوارع وأمام أبواب منازلهم، وأُلقيت جثث كثيرة في نهر السين حتى تلوّنت مياهه بالدماء بحسب روايات شهود عيان معاصرين. لم يقتصر العنف على الرجال المسلحين، بل شمل نساءً وأطفالًا في حالات عديدة. نجا هنري ملك نافارا، العريس نفسه، من القتل فقط لأنه أُجبر على اعتناق الكاثوليكية مؤقتًا تحت التهديد المباشر، ليعود لاحقًا إلى البروتستانتية بعد فراره من البلاط الملكي.
اتساع رقعة المجزرة
لم تبقَ موجة العنف حبيسة باريس، بل امتدت خلال الأسابيع التالية إلى مدن فرنسية أخرى مثل ليون وروان وأورليان وبوردو وتولوز، حيث كررت الميليشيات المحلية والحشود الكاثوليكية الغاضبة النمط نفسه من المجازر ضد الجاليات البروتستانتية المحلية. استمرت هذه الموجة حتى أكتوبر من العام نفسه، ليصل إجمالي القتلى في عموم فرنسا، بحسب تقديرات المؤرخين المعاصرين، إلى ما بين عشرة آلاف وثلاثين ألف قتيل، معظمهم من المدنيين العزّل.
ردود الفعل: احتفال في روما، صدمة في أوروبا البروتستانتية
حين وصلت أنباء المجزرة إلى روما، احتفل البابا غريغوري الثالث عشر بالحدث احتفالًا رسميًا: أمر بترتيل نشيد “التي ديوم” الاحتفالي، وسكّ ميدالية تذكارية تصوّر ملاكًا يذبح الهراطقة، وكلّف الرسام الإيطالي جورجيو فاساري برسم جدارية ضخمة في القصر البابوي (لا تزال قائمة حتى اليوم) تخلّد “انتصار” المجزرة على الهرطقة. من جهته، أرسل ملك إسبانيا الكاثوليكي فيليب الثاني رسالة تهنئة لكاثرين دي ميديشي.
في المقابل، أحدثت المجزرة صدمة عميقة في الدول البروتستانتية بأوروبا؛ ففي إنجلترا ارتدى بلاط الملكة إليزابيث الأولى الحداد الرسمي، وكتب اللاهوتيون البروتستانت في جميع أنحاء القارة منددين بما اعتبروه دليلًا قاطعًا على وحشية الكاثوليكية الرومانية، مما عمّق الاستقطاب الديني الأوروبي لعقود لاحقة.
استمرار حروب الدين ونهايتها
لم تُنهِ المجزرة الصراع، بل أشعلت جولة جديدة من حروب الدين الفرنسية استمرت حتى نهاية القرن. لم تنتهِ الحروب فعليًا إلا بعد اعتلاء هنري ملك نافارا نفسه، الناجي من مجزرة 1572، عرش فرنسا عام 1589 باسم هنري الرابع، بعد أن اعتنق الكاثوليكية نهائيًا (بعبارته الشهيرة “باريس تستحق قداسًا”). وفي عام 1598، أصدر هنري الرابع مرسوم نانت الذي منح الهوغونوت حرية العبادة وحقوقًا مدنية محدودة، منهيًا رسميًا عقودًا من الحرب الأهلية الدينية، وإن كانت هذه التسوية ستُلغى لاحقًا عام 1685 على يد الملك لويس الرابع عشر.
المصادر
- Barbara B. Diefendorf, Beneath the Cross: Catholics and Huguenots in Sixteenth-Century Paris (Oxford University Press, 1991)
- Jules Michelet, Histoire de France au XVIe siècle (دراسة كلاسيكية للحدث)
- Denis Crouzet, La Nuit de la Saint-Barthélemy: Un rêve perdu de la Renaissance (Fayard, 1994)
- Robert J. Knecht, The French Wars of Religion, 1562–1598 (Routledge, 2010)
- Philip Benedict, “The Saint Bartholomew’s Massacres in the Provinces”, The Historical Journal, Vol. 21 (1978)
- N.M. Sutherland, The Massacre of St Bartholomew and the European Conflict, 1559–1572 (Macmillan, 1973)


لا يوجد تعليق