بين عامي 1420 و1431، أعلن البابا خمس حملات صليبية متتالية، ليس ضد المسلمين في الأرض المقدسة، بل ضد مملكة بوهيميا (التشيك حاليًا)، إحدى ممالك أوروبا الكاثوليكية نفسها. كان “عدو” هذه الحملات أتباع الواعظ الإصلاحي يان هوس، الذي أُحرق حيًا بتهمة الهرطقة رغم أنه حضر مؤتمر الكنيسة بضمانة أمان رسمية. لم تكتفِ هذه الحروب بإراقة دماء آلاف البوهيميين، بل انتهت بهزيمة الجيوش الصليبية الخمس جميعها أمام جيش فلاحي مرتجل، في واحدة من أغرب المفارقات العسكرية في التاريخ المسيحي.
يان هوس: الواعظ الذي سبق مارتن لوثر بقرن
كان يان هوس (1369-1415) كاهنًا وأستاذًا في جامعة براغ، تأثر بأفكار اللاهوتي الإنجليزي جون ويكليف الذي دعا قبله بعقود إلى ترجمة الكتاب المقدس للغات المحلية وانتقد ثراء الكنيسة وبيع صكوك الغفران. وعظ هوس بضرورة إصلاح الكنيسة من فسادها المالي والأخلاقي، ودعا إلى منح “الكأس” (خمر القربان المقدس) لعامة المؤمنين، وليس للكهنة فقط، وهو ما اعتُبر مساسًا بامتياز رجال الدين. حظي هوس بشعبية واسعة في بوهيميا، لكنه اصطدم بغضب الكنيسة الرسمية وسلطات الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
استُدعي هوس عام 1414 إلى مجمع كونستانس، أكبر تجمع كنسي في العصور الوسطى، بضمانة أمان (Safe Conduct) من الإمبراطور سيغيسموند نفسه. لكن المجمع اعتقله فور وصوله، وحاكمه بتهمة الهرطقة، ورفض التراجع عن تعاليمه، فحُكم عليه بالإحراق حيًا في السادس من يوليو 1415. اعتُبر نقض ضمانة الأمان خيانة صريحة في نظر أتباعه، وأشعل غضبًا عارمًا في بوهيميا رأى فيها كثيرون هجومًا ألمانيًا-كاثوليكيًا على الهوية والكنيسة التشيكية المحلية.
إلقاء براغ من النافذة: شرارة الحرب
في الثلاثين من يوليو 1419، اقتحم حشد من أتباع هوس الغاضبين قاعة بلدية مدينة براغ الجديدة، وألقوا من نافذتها سبعة من أعضاء المجلس البلدي الكاثوليكي حتى الموت، في حادثة عُرفت بـ”إلقاء براغ الأول من النافذة” (First Defenestration of Prague). توفي الملك فينسيسلاوس الرابع من الصدمة بعد أسابيع قليلة، وآلت مملكة بوهيميا إلى شقيقه الإمبراطور سيغيسموند، الذي رفضه الهوسيون بشدة باعتباره المسؤول المباشر عن إعدام هوس بنقض ضمانته.
خمس حملات صليبية متتالية
أعلن البابا مارتن الخامس عام 1420 حملة صليبية رسمية ضد “الهراطقة” الهوسيين، وقاد سيغيسموند بنفسه جيشًا كبيرًا لحصار براغ. لكن المفاجأة جاءت في معركة تل فيتكوف (Vítkov Hill) في يوليو 1420، حين تصدّى القائد العسكري الهوسي يان جيجكا (Jan Žižka)، وهو فارس فقد إحدى عينيه في معارك سابقة ثم فقد الأخرى لاحقًا وواصل القيادة أعمى تمامًا، لجيش صليبي أكبر بكثير عددًا وهزمه هزيمة ساحقة.
ابتكر جيجكا تكتيكًا عسكريًا ثوريًا عُرف بـ”حرب العربات” (Wagenburg)، حيث حوّل عربات الفلاحين العادية إلى حصون متحركة مدرعة بألواح خشبية، مزودة بمدافع بدائية ومدافع يدوية، تُصطف في دائرة لتشكل خط دفاع منيعًا يصعب على الفرسان المدرّعين اختراقه. بهذا الأسلوب، وبجيش تألف غالبًا من فلاحين وحرفيين بسطاء لا فرسانًا محترفين، هزم الهوسيون أربع حملات صليبية أخرى في السنوات التالية (1421، 1422، 1427، 1431)، في سلسلة من الانتصارات المتكررة أذهلت أوروبا الكاثوليكية بأكملها.
انقسام الهوسيين: أوتراكويون وتابوريون
لم يكن الهوسيون كتلة موحدة؛ فقد انقسموا إلى فصيلين رئيسيين. الفصيل المعتدل، المعروف بـ”الأوتراكويين” أو “الكاليكستين”، تألف غالبًا من النبلاء وأهل المدن، واقتصرت مطالبه على السماح بتناول الكأس لعامة المؤمنين والإصلاح الكنسي المحدود ضمن إطار الكنيسة الجامعة. أما الفصيل الراديكالي، المعروف بـ”التابوريين” نسبة إلى مدينتهم الحصينة تابور، فتبنى أفكارًا أكثر تطرفًا شملت المساواتية الاجتماعية ورفض الهرمية الكنسية بالكامل، بل واتجه بعض المتطرفين منهم (الأداميين) إلى ممارسات صوفية متطرفة أُبيدوا هم أنفسهم على يد جيجكا لاحقًا لخروجهم عن السيطرة.
توفي جيجكا عام 1424 بالطاعون، وخلفه قادة آخرون واصلوا الانتصارات، بل شن التابوريون غارات هجومية عميقة داخل أراضي ألمانيا وهنغاريا وبولندا وصولًا إلى بحر البلطيق، فيما عُرف بـ”الحملات الجميلة” (spanilé jízdy)، انتقامًا واستباقًا لأي هجوم صليبي جديد.
معركة ليباني: الهوسيون يهزمون أنفسهم
بحلول عام 1431، وبعد فشل خمس حملات صليبية متتالية في إخضاع بوهيميا عسكريًا، لجأت الكنيسة إلى المفاوضات. عقد مجمع بازل محادثات مع ممثلي الهوسيين، وأسفرت عن اتفاقية “بروموبروميسا” ثم “مواثيق بازل” (Compacts of Basel) عام 1436، التي اعترفت رسميًا بحق تناول الكأس لعامة البوهيميين، في تنازل نادر من الكنيسة الكاثوليكية لطائفة اعتُبرت هرطوقية.
لكن هذا التقارب لم يرق للفصيل التابوري الراديكالي، الذي رفض أي تسوية مع روما. في الثلاثين من مايو 1434، اصطدم الفصيلان الهوسيان في معركة ليباني (Battle of Lipany)، حيث استخدم الأوتراكويون المعتدلون، بالتحالف مع النبلاء الكاثوليك، تكتيك التابوريين أنفسهم ضدهم، وألحقوا بهم هزيمة ساحقة أنهت الوجود العسكري لتيارهم الراديكالي، في مفارقة مأساوية: الهزيمة التي عجز الصليبيون عن إلحاقها بالهوسيين طوال 14 عامًا، ألحقها الهوسيون بأنفسهم.
الإرث
خلّفت الحروب الهوسية مئات الآلاف من القتلى، ودمارًا واسعًا في بوهيميا ومورافيا والمناطق المجاورة عبر الغارات المتبادلة والمجاعات والأوبئة المصاحبة للحرب. لكنها أرست أيضًا سابقة تاريخية مهمة: أول انشقاق ديني ناجح عسكريًا وسياسيًا داخل الكنيسة الغربية، سبق الإصلاح البروتستانتي الذي قاده مارتن لوثر بقرن كامل. لم يكن مصادفة أن لوثر نفسه، حين اطّلع لاحقًا على كتابات هوس، صرّح بأنه وجد نفسه “هوسيًا دون أن يدري”، معتبرًا إعدام هوس أحد أبرز الجرائم التي ارتكبتها الكنيسة الرسمية بحق مصلحيها.
المصادر
- František Šmahel, Die Hussitische Revolution (Hermann Böhlaus Nachfolger, 2002)
- Thomas A. Fudge, The Crusade Against Heretics in Bohemia, 1418–1437 (Ashgate, 2002)
- Frantisek Graus, Die Hussitische Revolution — ترجمات ودراسات موسعة حول الحروب
- Howard Kaminsky, A History of the Hussite Revolution (University of California Press, 1967)
- Stephen Turnbull, The Hussite Wars 1419–36 (Osprey Publishing, 2004)
- Norman Housley, The Later Crusades: From Lyons to Alcazar, 1274–1580 (Oxford University Press, 1992)


لا يوجد تعليق