«لاهوت الرجاء» (Theology of Hope) ليورغن مولتمان: قراءة نقدية
بطاقة الكتاب
- المؤلف: يورغن مولتمان (1926–2024)، لاهوتي ألماني بروتستانتي من التقليد الإصلاحي. جُنّد شاباً في الحرب العالمية الثانية، ووقع في الأسر لدى البريطانيين (1945–1948)، وقال إنه جاء إلى الإيمان في الأسر. عمل قسّاً ثم أستاذاً في فوبرتال وبون، وأستاذاً في توبنغن منذ 1967 حتى تقاعده.
- الكتاب: صدر بالألمانية سنة 1964، وبالإنجليزية سنة 1967. عنوانه الفرعي: «بحوث في أساس علم الأخرويات المسيحي ونتائجه».
- السياق: نقاش ما بعد الحرب عن الأخرويات بعد اكتشاف فايس وشفايتزر أن تعليم يسوع كان متجهاً إلى نهاية قريبة، ونهضة الاهتمام بالفكر الرؤيوي (كيزمان 1960)، وقراءة فون راد للعهد القديم بوصفه تاريخ وعود، والحوار مع الفيلسوف الماركسي إرنست بلوخ.
- المكانة: من أكثر الكتب تأثيراً في اللاهوت البروتستانتي بعد الحرب، وقد أثّر في اللاهوت السياسي وفي لاهوت التحرير الذي عالجناه في الكتاب 40.
نبذة عن الكتاب
- الأخرويات هي الإطار العام: يعارض الكتاب اعتبار الأخرويات فصلاً أخيراً في العقيدة، ويجعلها الوسط الذي يقوم فيه الإيمان المسيحي كله. وينتقد ما يراه تحويلاً لها إلى «حاضر أبدي» عند بارت المبكر، أو إلى قرار وجودي عند بولتمان.
- الوحي وعد: يقابل بين الفكر اليوناني، حيث يظهر الأبدي في حاضر متجلٍّ، والفكر العبري، حيث يتكلم الله بوعد يفتح التاريخ نحو مستقبل. ويقرأ خروج 3: 14 على أنه «سأكون ما سأكون»، فيكون الله إله الوعد والمستقبل.
- القيامة: هي وعد الله بمستقبل العالم، والقائم هو المصلوب نفسه. ويرى أن المنهج التاريخي النقدي، بمبدأ التماثل، يفترض عالماً مغلقاً فلا يبلغ حدثاً فريداً كهذا.
- العالم مفتوح: الواقع ليس نسقاً مكتملاً بل تاريخ ينتظر إتمامه، ويستعين الكتاب بفلسفة بلوخ في «لم يكن بعد» ليقول إن الرجاء مبدأ في الواقع، ثم يجعل القيامة أساس هذا الرجاء.
- الكنيسة «كنيسة الخروج»: هي جماعة الرجاء التي لا ترضى بالواقع القائم، وتُقبل على العالم بسخط خلّاق يغيّره. فالرسالة عند مولتمان مشاركة في تغيير المجتمع وليست مجرد نقل تعليم.
النقد
الكتاب مؤثر لأنه يواجه اليأس ويردّ الاعتبار للأمل ولتغيير الواقع. والنقد الآتي لا يمسّ قيمة الأمل، بل يتجه إلى الأساس الذي يُبنى عليه.
1. ثنائية «الوعد» و«الظهور»: تقابل مصنوع
يقوم الكتاب على مقابلة بين اللغة اليونانية (الظهور والحاضر الأبدي) والعبرية (الوعد والتاريخ)، وهذه المقابلة تخدم أطروحته منذ البداية. وهي محل نقد معروف:
- نقد جيمس بار (1961): بيّن في «علم دلالة اللغة الكتابية» أن تقابل «الفكر العبري الحركي والفكر اليوناني الساكن» يقوم على استنتاجات لغوية غير سليمة، وأنه لا يمكن بناء لاهوت على مقابلات من هذا النوع بين اللغتين.
- الفكر اليوناني لم يكن ساكناً: ففي الفلسفة اليونانية جعل هيراقليطس التغير أصلاً، وجعل أرسطو الغاية تفسيراً للحركة. ولا يصح اختزالها في «حاضر أبدي».
- العهد القديم لا ينحصر في الوعد: ففيه المزامير وتأملات الحكمة (الأمثال وأيوب والجامعة)، وأخبار تجلٍّ في الحاضر (خروج 24، وإشعياء 6). وقد اعترف فون راد نفسه، وهو مرجع مولتمان، في «الحكمة في إسرائيل» (1970) بأن الحكمة لا تدخل في إطار «تاريخ الخلاص».
- العهد الجديد يستعمل لغة الظهور: يقول يوحنا 1: 14 «رأينا مجده»، وتصف الرسائل الرعوية ما جرى في المسيح بأنه «ظهور» (تيطس 2: 11، و2 تيموثاوس 1: 10). فالمقابلة لا يسندها النص.
والمشكلة أن اختيار هذه الثنائية يمهّد لنتيجة سابقة: أن الوحي وعد وأن المستقبل هو مقولة الله. فيصبح التمهيد جزءاً من الاستدلال.
2. من يقرر أن هذا وعد وأن ذاك إنجاز؟
يقوم منهج الكتاب على علاقة الوعد بالإنجاز، وأن الإنجاز في المسيح يفتح وعداً أكبر. لكن هذه العلاقة تُقرأ بأثر رجعي:
- متى 2: 15 يقتبس هوشع 11: 1، وهو خبر عن خروج إسرائيل من مصر، ويجعله خاصاً بالمسيح.
- متى 1: 23 يقتبس إشعياء 7: 14، وهو علامة لآحاز في زمنه، بلفظ «الفتاة» في العبرية، و«العذراء» في الترجمة اليونانية.
- وعود لا تزال قائمة بنصها: أرض كنعان «ملكاً مؤبداً» (تكوين 17: 8)، وعرش داود «إلى الأبد» (2 صموئيل 7: 16). وتفسّرها القراءة المسيحية بمعنى روحي أو سماوي، بينما تقرؤها اليهودية على أنها لم تتحقق كما وُعد، وأن عصر المسيح لم يأتِ.
ما يجعل حدثاً «إنجازاً» لوعد هو أن الجماعة المسيحية اختارت أن تقرأه هكذا. فإذا كان الوعد لا يتحدد إلا بالإنجاز الذي تحدده الجماعة نفسها، فلا توجد وسيلة مستقلة تُظهر أن القراءة خاطئة، ولا أن الوعد وعدٌ بذلك أصلاً.
3. الوعد الذي لا يُنجز يصير جوهراً
جاء في العهد الجديد رجاء بمجيء قريب: مرقس 9: 1، ومتى 24: 34، و1 تسالونيكي 4: 15–17، و1 كورنثوس 7: 29، ويعقوب 5: 8–9. وتُظهر 2 بطرس 3: 3–9 أن الجماعة نفسها واجهت السؤال: أين وعد مجيئه؟ ثم مرّت قرون. وكان هذا ما اكتشفه فايس (1892) وشفايتزر (1906) فاعتبروه إحراجاً للمسيحية، وسنعالجه في مقال الكتاب 30.
جواب مولتمان أن يجعل التأخر جوهراً: الوعد يتجاوز كل إنجاز، وكل إنجاز مؤقت، و«لم يكن بعد» هو طبيعة الوعد. والنتيجة:
- لا يوجد حدث يمكن أن يُعدّ إخفاقاً. إن وقع ما يوافق الوعد فهو علامة، وإن لم يقع فالوعد أكبر مما ظُنّ. والدعوى التي يعتبر صاحبها كل حدث ممكن موافقاً لها لا تخبر عن العالم بشيء.
- التحقق الأخروي غير متكافئ: يقول جون هيك (1960) إن الدعاوى الدينية يمكن أن تتحقق بعد الموت. لكن التحقق هنا من جانب واحد: إن كانت الدعوى صحيحة عرف المؤمنون ذلك، وإن كانت خاطئة فلن يوجد أحد يكتشف الخطأ. ودعوى لا تكلّف صاحبها شيئاً إن كانت باطلة لا يمكن أن تُختبر في الحياة.
- ما يقوله المدافعون: الوعد فعل كلامي مُنشِئ (performative) وليس تنبؤاً، فلا يخضع للتحقق. لكن هذا ينقل الدعوى بين معنيين: إن كان الوعد يقدّم خبراً عن المستقبل فيمكن أن يخيب، وإن لم يقدّم خبراً فلا يصلح أساساً لتوقع شيء.
4. القيامة والمنهج التاريخي
يرى مولتمان أن المنهج التاريخي النقدي مبني على مبدأ التماثل (ترولتش 1898)، أي أن الماضي يشبه الحاضر في ما يقع، فهو مغلق أمام حدث فريد مثل القيامة، وأن القيامة تصنع تاريخاً جديداً ولا تُقاس بالتاريخ القائم. وفي هذا:
- مبدأ التماثل ليس تحيزاً ميتافيزيقياً. هو القاعدة العملية التي نزن بها الشهادات: كلما كان الحدث المدّعى أبعد عن المألوف احتجنا إلى شهادة أقوى (هيوم، 1748). وهو المبدأ نفسه الذي يستعمله المسيحي حين يرد دعاوى المعجزات في تقاليد أخرى.
- الجمع بين موقفين: يريد الكتاب أن تكون القيامة حدثاً واقعياً يُبنى عليه الرجاء، ثم يعفيها من معايير الحكم على الوقائع. لكن العهد الجديد نفسه يحتكم إلى الشهود (1 كورنثوس 15: 5–8، ولوقا 1: 1–4). فإما أنها دعوى عن واقعة تاريخية فتخضع للفحص، وإما أنها عقيدة إيمانية فلا يُحتج لها بالشهادة. وقد رأى لاهوتيون مسيحيون مؤثرون، منهم بانِنبرغ (1964) ون. ت. رايت (2003)، أنها دعوى تاريخية تُفحص. ولا يقبل هؤلاء موقف مولتمان.
- النصوص نفسها متباينة: الظهورات في الجليل عند متى وفي القدس عند لوقا، والقبر يزوره أشخاص مختلفون، وبولس يصف «جسداً روحياً» (1 كورنثوس 15: 44) بينما يصف لوقا لحماً وعظاماً (24: 39–43)، وأقدم مخطوطات مرقس تنتهي عند 16: 8 دون ظهورات. والمنهج الذي يُعفى منه هذا الحدث هو المنهج الوحيد الذي يستطيع أن يقيّم هذا التباين.
- ثمن الإعفاء: إذا كانت مناهج التاريخ لا تصلح للحكم على حدث فريد لأنه فريد، فلا يبقى معيار لرفض أي دعوى فريدة مماثلة في أي تقليد.
5. «الله الآتي»: إله بلا حاضر؟
يجعل الكتاب المستقبل صفة لكيان الله، اعتماداً على قراءة «سأكون ما سأكون». وفيه:
- النص لا يحسم: الفعل العبري في خروج 3: 14 مضارع يحتمل الحاضر والمستقبل. وقد رأينا في مقال الكتاب 41 كيف قرأه راتسنغر بمعنى «الكائن»، أي وجوداً تاماً. فالنص الواحد يستخرج منه لاهوتيان كبيران، في قائمتنا نفسها، ميتافيزيقتين متعاكستين.
- التعارض مع التراث نفسه: تقرر العقيدة الإصلاحية في الكتابين 47 و48 إلهاً ثابتاً لا يتغير، مكتملاً بذاته. ومولتمان يقول إن كيانه مستقبل وإن العالم مفتوح. وكلاهما من التقليد الإصلاحي. فأي إله يُدعى إليه القارئ؟
- الإشكال المنطقي: إن كان الله «لم يكن بعد» على وجه ما، فهو الآن ناقص أو غير مكتمل. فما الذي يضمن أن يتحقق ما يعد به؟ وإن كان حاضره يضمن مستقبله ففي حاضره ما يكفي لضمان الوعد، ويصير كلامنا عن «كيانه المستقبلي» مجازاً.
- التوتر مع بقية العقيدة: الله في التراث خالق «في البدء»، وهو «محبة» في الحاضر، وثالوث أزلي. فكيف يجتمع هذا مع أن كيانه «الآتي»؟
6. بلوخ: من الحاجة إلى الأساس
يستعير الكتاب من بلوخ (مبدأ الرجاء، 1954–1959) أن الواقع «لم يكتمل»، وأن الرجاء عنصر في الوجود نفسه. وبلوخ ملحد، فيقول مولتمان إن رجاءه بلا أساس لأنه ينتهي بالموت، وإن القيامة وحدها تؤسس الرجاء.
- من الرغبة إلى الحقيقة: الحاجة إلى رجاء لا تكفي دليلاً على أن ما يُرجى حقيقي. فهذا انتقال من قوة الحاجة إلى صحة المطلوب.
- الأساس نفسي وليس منطقياً: أن الأمل المحدود «بلا أساس» حكم يتعلق بما يحتمله المرء نفسياً. وكثيرون يعيشون برجاء محدود (تحسين حال الجيل القادم، وخدمة الآخرين) دون هذا الأساس، ولا يُظهر ذلك خللاً منطقياً.
- الأساس العقلي للرجاء: ما يجعل الرجاء معقولاً أن تكون لدينا قرائن على احتمال تحققه. أما شدة الحاجة إلى تحققه فتفسّر الرجاء ولا تسوّغه.
- انتقائية بلوخ: أخذ الكتاب من بلوخ بنية «لم يكن بعد» وترك نتيجتها المنطقية عنده، وهي أن الغاية تُنتزع بالفعل البشري في التاريخ. فالاستعارة جزئية.
7. الأخلاق والسياسة: رجاء بمضمون غير محدَّد
يقول الكتاب إن الرجاء يولّد «سخطاً خلّاقاً» يدفع إلى تغيير العالم، وإن الكنيسة كنيسة خروج. وهذا هدف أخلاقي سليم. لكن:
- الرجاء لا يحدد ما ينبغي فعله. أن يؤمن المرء بملكوت آتٍ لا يخبره أي برنامج يعمل له اليوم. ومضمون العمل، من رحمة وعدل وحماية للمستضعفين، يأتي من مصدر آخر يدركه العقل، فلا يضيف الإيمان بالمستقبل الإلهي محتوى أخلاقياً جديداً.
- الأخروية خدمت اتجاهات متضادة. فقد أنتجت حركة توماس مونتسر في حرب الفلاحين (1525) وأنابتيست مونستر (1534–1535)، كما ألهمت دعاة الإصلاح الاجتماعي. وأنتجت أيضاً رجاء تعويضياً جعل الناس يتحملون الظلم الحاضر انتظاراً لمجد آت، وهو ما سمّاه ماركس «أفيوناً». ومولتمان يردّ عليه بأن الرجاء الحقيقي يُنتج سخطاً. لكن هل يفعل ذلك؟ هذه مسألة تجريبية، وسجل التاريخ فيه الاتجاهان. وما يدفع إلى أمرين متضادين لا يصلح دليلاً.
- الحاجة إلى تصحيح ذاتي: كتب مولتمان لاحقاً «الإله المصلوب» (1972) استجابة، بحسب ما أذكر من كلامه، لانتقادات رأت أن «لاهوت الرجاء» يقدّم مبشراً بالقيامة أكثر مما يقف عند الألم. وهذا إقرار بأن الإطار الأول لم يكن يعالج مشكلة الشر والمعاناة معالجة كافية، وهي المشكلة التي يقوم عليها امتحان كل رجاء.
الخلاصة
«لاهوت الرجاء» كتاب عميق النبرة، ومدخله الأخلاقي، أن الرجاء يقاوم اليأس والرضا بالواقع، مدخل مقنع. لكن بنيانه النظري يقوم على مقابلة لغوية مصنوعة بين اليونانية والعبرية، وعلى قراءة رجعية تحدد الوعد بالإنجاز الذي تختاره الجماعة، وعلى تحويل التأخر إلى جوهر يحصّن الدعوى من الوقائع، وعلى إعفاء القيامة من معايير الحكم على الوقائع، وعلى إله «مستقبلي» يعارض تراثه الذي ينتسب إليه. والرجاء فضيلة أخلاقية جميلة، أما أن يكون له موضوع حقيقي فهذا ما لا يقدّم الكتاب عليه دليلاً غير الحاجة إليه.


لا يوجد تعليق