بطاقة الكتاب

  • الجهة: الكنيسة الكاثوليكية. طلب مجمع الأساقفة الاستثنائي سنة 1985 إعداده، وتولّت صياغته لجنة برئاسة الكاردينال جوزيف راتسنغر (بندكتس السادس عشر لاحقاً). أصدره يوحنا بولس الثاني في 11 أكتوبر 1992، وصدرت الطبعة اللاتينية المعتمدة سنة 1997 بتعديلات.
  • الحجم: نحو 2865 فقرة مرقّمة في أربعة أجزاء.
  • الغاية المعلنة: أن يكون مرجعاً موحّداً ومعياراً مؤكداً لتعليم الإيمان الكاثوليكي، على غرار «التعليم المسيحي الروماني» الصادر بعد مجمع ترنت سنة 1566.

نبذة عن الكتاب

  1. الإيمان المعترَف به: شرح قانون الإيمان بندًا بندًا: الوحي والكتاب والتقليد، والله الثالوث، والخلق والسقوط، والمسيح، والروح القدس، والكنيسة، ومريم، والقيامة والحياة الآخرة.
  2. الاحتفال بالسر المسيحي: الأسرار السبعة: المعمودية، والتثبيت، والإفخارستيا، والتوبة، ومسحة المرضى، والكهنوت، والزواج.
  3. الحياة في المسيح: كرامة الإنسان، والضمير والفضائل، والقانون الطبيعي، وشرح الوصايا العشر.
  4. الصلاة المسيحية: الصلاة بوجه عام، ثم شرح «الصلاة الربانية».

النقد

الكتاب ملخّص رسمي للعقيدة، وليس بحثاً فلسفياً. لذلك يتوجه النقد إلى منهجه في الاحتجاج، وإلى العقائد التي يقدّمها كأنها محسومة.

1. منهج التقرير ثم الاستشهاد

يُثبت الكتاب العقيدة أولاً، ثم يورد في الحواشي آيات وقرارات مجامع وأقوال آباء. والمشكلة أن النصوص تُستدعى لعقائد لا تتناولها في سياقها. فمتى 28: 19 يُستشهد به للتثليث، وهو يذكر ثلاثة أسماء في صيغة العماد، ولا يقول إنها ذات واحدة ولا إنها «أقانيم». والاستشهاد بالآباء انتقائي أيضاً. فآباء ما قبل نيقية كثيراً ما تكلموا عن الابن بلغة التبعية للآب، وهو أمر أقرّ به دارسو تاريخ العقيدة الكاثوليك أنفسهم.

2. دائرة السلطة

  • تقرر الفقرة 82 أن الكنيسة لا تستمد يقينها في كل الحقائق المُوحى بها من الكتاب وحده.
  • تجعل الفقرات 85–87 تفسير الكلمة المكتوبة والمنقولة من اختصاص السلطة التعليمية وحدها.
  • تقرر الفقرة 891 عصمة هذه السلطة في ما تعلنه نهائياً.
  • وسندها النصي في جعل بطرس وخلفائه أساساً للكنيسة هو متى 16: 18 (الفقرتان 552 و881).

وهنا دور منطقي. فالسلطة تستند إلى نص، والنص لا يُفهم إلا بتفسيرها. وكل اعتراض تاريخي يمكن ردّه بأن الكنيسة وحدها تملك التفسير الصحيح، فلا يوجد معيار خارجي يمكن أن يخطّئ هذا النظام.

والنص المحوري نفسه لم يُجمع الآباء على تفسيره. فقد فهمه بعضهم على أن الصخرة هي بطرس، وفهمه آخرون على أنها إيمانه واعترافه، وقال آخرون إنها المسيح نفسه. وأوغسطين ذكر في «المراجعات» أنه ترك القارئ يختار بين الوجهين. وعلى النصوص نفسها بنت الكنائس الشرقية قراءة مختلفة تنفي أولوية الولاية الرومانية، وتدّعي هي أيضاً أنها حاملة التقليد. فـ«التقليد» لا يفصل في النزاع، لأن الطرفين يحتكمان إليه.

3. العصمة والتغيّر العقائدي

تعرض الفقرات 66–67 و94 فكرة «نمو الفهم» على أنه تعميق للوديعة من غير تغيير لها. والمعيار الذي قدّمه فنسنت اللِّيراني (434م)، وهو ما آمن به الجميع دائماً في كل مكان، معيار حكمي وليس تاريخياً، لأنه يجعل الحكم على القبول الكلي بعد وقوعه. ويظهر ضعف هذا التفسير في وقائع منها:

  • الخلاص خارج الكنيسة: أعلن مجمع فلورنسا (1442) أن الوثنيين واليهود والمنشقين لا يشاركون في الحياة الأبدية ما لم ينضموا إلى الكنيسة قبل موتهم، وتشدد «بيان واحدة مقدسة» (1302) في المعنى نفسه. أما الفقرات 846–848 فتقرر أن من يجهل الإنجيل دون ذنب منه قد يخلص. وهذا انتقال من الحصر إلى التوسيع، وليس تعميقاً لعبارة واحدة.
  • حرية الدين: عدّ «قائمة الأخطاء» (1864) القول بأن لكل إنسان أن يعتنق ما يراه دينًا حقًا خطأً مدانًا، بينما تقرر الفقرات 2104–2109 حق الحرية الدينية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.
  • عقوبة الإعدام: أجازها الكتاب في صيغته الأولى في الحالات القصوى، ثم عدّل البابا فرنسيس الفقرة 2267 سنة 2018 فنصّت على أنها «غير مقبولة». وقد كان هذا الموقف مقروناً بدعوى الاتصال بالتعليم القديم.

قد يقال إن هذه المواضع ليست كلها تعريفات معصومة. لكن قابلية النظام للتعديل تجعل من الصعب أن يقدّم نفسه معياراً ثابتاً موثوقاً.

4. التثليث (الفقرات 232–267)

  • يعترف الكتاب بأن التثليث لا يُعرف إلا بالوحي (الفقرتان 234 و237)، فلا يوجد له دليل عقلي مستقل.
  • يعترف بأن مفرداته فلسفية مستحدثة. تقرر الفقرة 251 أن الكنيسة احتاجت إلى صياغة مصطلحاتها بمفاهيم من أصل فلسفي (الجوهر، والأقنوم، والعلاقة). فأخطر عقيدة في الإيمان تعتمد على معجم يوناني تشكّل بعد قرون من زمن الوحي، وقد فرضته المجامع وليس نص الكتاب.
  • المعضلة المنطقية: الآب إله، والابن إله، والروح القدس إله، والثلاثة متمايزون، والإله واحد. فإن كان «الأقنوم» بمعنى مركز وعي وإرادة، فهذه ثلاثة آلهة. وإن كان بالمعنى الفني الذي تعتمده الفقرات 253–255 (علاقات قائمة بذاتها، والتمايز فيها بالعلاقة وحدها)، فلم يبق للغة الأناجيل معنى ظاهر. فالآب «يرسل» الابن، والابن «يصلي» للآب، ويقول له «أحببتني قبل إنشاء العالم». كل هذه تُقرأ حينئذ على أنها تمثيل.
  • الفيليوكي (الفقرات 246–248): أُضيفت عبارة «ومن الابن» إلى قانون الإيمان في الغرب دون مجمع مسكوني، في حين قرّر مجمع أفسس (431) منع تعديل الصيغة الإيمانية المقررة. والكتاب يقرّ بمشروعية التعبير الشرقي المخالف، لكنه يبقي الإضافة، مع أنها كانت من أسباب الانشقاق بين الشرق والغرب.

5. المسيح: علم محدود وعلم كامل

تتناول الفقرات 472–474 معرفة المسيح الإنسانية:

  • تقرر الفقرة 472 أنها معرفة إنسانية حقيقية غير مطلقة، تنمو في شروط الزمان والمكان، وأنه كان عليه أن يتعلم بالتجربة.
  • ثم تقرر الفقرتان 473–474 أن طبيعته البشرية بالاتحاد بالكلمة كانت تعرف كل ما يخص الله، وأنه امتلك «كمال الفهم» لخطط الله الأزلية.

ولمواجهة مرقس 13: 32، حيث يقول النص إن الساعة لا يعلمها أحد ولا الابن، تفسّر الفقرة 474 عدم المعرفة بأنه لم يُرسَل ليكشف ذلك. وهذا لا يفسّر النص، وإنما يقلب معناه، فالنص يقول «لا يعلم» والتفسير يقول «يعلم ولا يخبر». وفي السياق نفسه تقرر الفقرة 475 أن للمسيح إرادتين، إلهية وإنسانية. ومع ذلك تُدرج صلاة جثسيماني («لا مشيئتي بل مشيئتك») على أنها خضوع الإرادة البشرية للإلهية، بينما الإرادة الإلهية هي نفسها إرادة الآب. فتكون الصلاة في حقيقتها خطاباً من الإرادة الإلهية للمسيح إلى إرادته الإلهية.

6. الخطيئة الأصلية (الفقرات 396–421)

  • تقرر الفقرتان 404–405 أن الخطيئة الأصلية «مُكتسَبة لا مُرتكَبة»، وأنها ليست ذنباً شخصياً لأحد من ذرية آدم. فكيف يُحاسَب إنسان أخلاقياً على ما لم يفعله؟ ومنطق العدل الذي يقوم عليه الإيمان بالله يرفض مسؤولية من لم يُخطئ.
  • الأساس النصي معيب: تستند الفكرة إلى رومية 5: 12. والصيغة اللاتينية المستعملة لدى أوغسطين قرأتها «فيه أخطأ الجميع» (in quo)، بينما العبارة اليونانية (eph’ hō) تحتمل «لأن الجميع أخطأوا». ولم يبلور الآباء اليونان القول بالذنب الموروث.
  • المعمودية والأطفال: تقرر الفقرة 1250 أن الأطفال يولدون «بطبيعة ساقطة» ويحتاجون إلى الولادة الجديدة. أما من يموت منهم دون عماد فتكتفي الفقرة 1261 بأن تسلمهم إلى رحمة الله وتبدي الرجاء في خلاصهم. فبين الحكم بالحاجة إلى المعمودية والرجاء في نجاة غير المعمّد اضطراب واضح.
  • التعارض مع العلم: تقرر الفقرة 375 أن الأبوين الأولين وُضعا في «حالة القداسة والعدل الأصلية»، وتؤكد الفقرة 390 أن أحداث الفصل الثالث من التكوين تشير إلى حدث فعلي في بداية التاريخ. أما علم الوراثة فلا يجد للبشر أصلاً من زوج واحد؛ إذ تشير تقديرات التنوع الجيني إلى جماعة أصلية بحدود عشرة آلاف فرد. والعقيدة قائمة على الحدث الأول، فإن سقط هذا الحدث سقط الأساس.

7. مريم

  • الحبل بلا دنس (الفقرات 491–493) والانتقال إلى السماء (الفقرة 966): لا أصل لهما في الكتاب. أما الانتقال فأقدم ما يذكره أدب منحول من القرن الخامس تقريباً، وقد قال أبيفانيوس (نحو 377) إن أحداً لا يعرف كيف انتهت حياتها. وأُعلنا عقيدتين في القرن التاسع عشر (1854) والعشرين (1950). ويصعب أن يجتاز الانتقال معيار «في كل مكان وزمان ولدى الجميع» الذي قدّمه فنسنت اللِّيراني.
  • تحفظ كبار اللاهوتيين: رفض توما الأكويني القول بالحبل بلا دنس، وكذلك برنار الكليرفوي. ولا يُحتمل أن يقع في هذا الخلاف من يتلقّون وحياً واضحاً.
  • التسلسل: إن كان عصمة المسيح من الخطيئة تتطلب أماً معصومة، فأمها تتطلب أماً معصومة وهكذا. والجواب بأن العصمة نالتها «سلفاً» بفضل استحقاقات المسيح المستقبلية يجعل العلة متأخرة عن أثرها.
  • دوام البتولية (الفقرات 499–501): يُفسَّر «إخوة الرب» (مرقس 6: 3، وغلاطية 1: 19) بأنهم أقارب. وهذا تفسير رسّخه إيرونيموس سنة 383 في ردّه على هلفيديوس. وفي المقابل رأى بعض القدماء أنهم أبناء يوسف من زواج سابق، وهو رأي مأخوذ من إنجيل منحول هو «بروتوإنجيل يعقوب». فالعقيدة في هذه المسألة تتخيّر بين قراءتين، وكلتاهما لا تجد سنداً في النص.

8. الأسرار والقربان والمطهر

  • الأسرار السبعة: تقرر الفقرة 1114 أن المسيح نفسه أسّس الأسرار السبعة كلها. لكن هذا العدد، بهذا التحديد، ظهر في القرن الثاني عشر عند بطرس اللومباردي، وأقرّه مجمع فلورنسا (1439) ثم ترنت (1547). فمعظم الأسرار (التثبيت، ومسحة المرضى، والكهنوت في صورته الأسقفية، والزواج بوصفه سراً) لا يوجد لها تأسيس صريح في النصوص. ويلجأ الدارسون الكاثوليك إلى القول بتأسيس «إجمالي».
  • الاستحالة (الفقرات 1373–1377): تعتمد على مقولات أرسطية عن «الجوهر» و«العرَض»، فتقول إن جوهر الخبز يتحول إلى جسد المسيح مع بقاء كل خصائصه المحسوسة. وهذا ادعاء لا يمكن أن يُختبر بأي دليل تجريبي، أي أنه محصّن ضد النقد. كما أن فلسفة الجوهر التي يقوم عليها لم يعد يعتمدها علم اليوم. وتكلمت الكنيسة بها رسمياً في مجمع لاتران الرابع (1215)، وقبل ذلك كان الجدل قائماً في القرن التاسع بين راتْرامنوس وراذبرت، وأُجبر برنغار على التراجع في القرن الحادي عشر. وتقرر الفقرة 1378 السجود للقربان، أي عبادة شيء مخلوق على أنه الله، ودفاع الكنيسة بأن العبادة موجهة إلى المسيح الحاضر فيه لا يزيل أصل الإشكال.
  • المطهر والغفرانات (الفقرات 1030–1032 و1471–1479): تقرر أن الخطيئة بعد غفرانها تبقى لها «عقوبة زمنية» تُدفع بالتكفير وتُخفَّف بالغفرانات من «كنز استحقاقات» المسيح والقديسين (1476–1477). وهذا يعني أن استحقاقات المسيح، التي يقال إنها غير محدودة، لم تكفِ لإزالة العقوبة كاملة. وفكرة تحويل الاستحقاقات كأنها رصيد مصرفي لا أصل لها في الكتاب. ويستند المطهر نصاً إلى سفر المكابيين الثاني (12: 46)، وهو خارج القانون اليهودي وقانون كثير من الكنائس، وإلى تفسير لـ1 كورنثوس 3: 15 يتجاوز سياقه.

9. الأخلاق الطبيعية

تعرض الفقرات 1954–1960 القانون الطبيعي بوصفه أخلاقاً يدركها كل عاقل. وعلى هذا الأساس تحكم الفقرات 2357–2359 و2370 على ممارسات جنسية ووسائل منع الحمل بأنها مخالفة للنظام الطبيعي. والنقد هنا منهجي:

  • الانتقال من الوظيفة إلى الواجب: يُستنتج الحكم الأخلاقي من الغاية «الطبيعية» للأعضاء والأفعال. وهو انتقال مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، وقد أُبطلت في الفلسفة الحديثة قدرة هذا الانتقال على أن يلزم عقلاً. كما أن فكرة الغاية الطبيعية نفسها موضع خلاف بعد التطور.
  • الادعاء بأن الأمر مدرَك بالعقل ثم إلزام الناس بغير العقل: إذا كانت هذه القواعد عقلية عامة، فالمفروض أن تقنع العقلاء، لكن كثيرين منهم يخالفونها بعد نظر. وتقرر الفقرة 2036 أن سلطة التعليم تمتد إلى هذه القواعد لأن العمل بها ضروري للخلاص. فتصير القواعد ملزمة بالسلطة حتى لو لم يقتنع بها العقل، وهذا ينقض الادعاء العقلي.
  • تاريخ الموقف: أوصت أغلبية اللجنة البابوية لدراسة تحديد النسل (1966) بتغيير الموقف من منع الحمل، ورفض بولس السادس ذلك في «الحياة الإنسانية» (1968) واتبع رأي الأقلية. فيظهر أن الحسم جاء من السلطة وليس من الحجة.

الخلاصة

«التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية» وثيقة متقنة التنظيم، لكنه يقدّم عقائد يعترف هو نفسه بأن بعضها لا يُعرف إلا بالوحي، وبأن مصطلحاتها فلسفية مستحدثة، ويعتمد في ثباتها على سلطة تقرّر تفسير النصوص التي تستمد منها سلطتها. وحين تُختبر هذه العقائد بمنطق الاتساق وبالدليل التاريخي والعلمي، تظهر أزمات في التثليث والتجسد والخطيئة الأصلية والأسرار، وتقلبات في الموقف من الخلاص والحرية الدينية وعقوبة الإعدام. فهو مرجع وضع ليحسم الخلاف، لكنه يكشف كثيراً من مواضعه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *