بين عامي 1534 و1535، شهدت مدينة مونستر الألمانية واحدة من أغرب حلقات الصراع المسيحي الداخلي في التاريخ: استولت فيها جماعة راديكالية من “الأنابابتست” (معمدو البالغين) على السلطة، وأعلنت المدينة “أورشليم الجديدة” تمهيدًا لعودة المسيح، ففرضت الشيوعية الجماعية وتعدد الزوجات القسري بقيادة “ملك” أعلن نفسه خلفًا للنبي داود. حاصرت قوات كاثوليكية ولوثرية متحالفة المدينة أكثر من عام، وانتهى الحصار بمجزرة شاملة وتعذيب علني وحشي لقادة الحركة، لا تزال أقفاصهم الحديدية معلّقة حتى اليوم على برج كنيسة القديس لامبرت في وسط المدينة، شاهدًا على واحدة من أعنف حلقات قمع “الهرطقة” في عصر الإصلاح.
الخلفية: الإصلاح الراديكالي والأنابابتست
إلى جانب الإصلاح اللوثري والكالفيني “الرئيسي”، ظهر في عشرينيات القرن السادس عشر تيار أكثر راديكالية عُرف بـ”الإصلاح الراديكالي”، ضمّ جماعات الأنابابتست الذين رفضوا عماد الأطفال معتبرين أن الإيمان يجب أن يُختار بوعي كامل، فكانوا يعيدون تعميد البالغين. اعتبرت كل من الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتية الرئيسية (اللوثرية والكالفينية) هذا التيار خطرًا وجوديًا على النظام الاجتماعي والديني القائم، إذ ربط كثير من الأنابابتست عقيدتهم بأفكار مساواتية جذرية ونزعات ألفية (اعتقاد بقرب نهاية العالم وعودة المسيح)، فتعرضوا للاضطهاد من الطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي على حد سواء في معظم أنحاء أوروبا.
استيلاء الأنابابتست على مونستر
كانت مونستر مدينة أسقفية يحكمها أميرًا أسقفيًا كاثوليكيًا هو فرانتس فون فالديك، لكنها شهدت منذ 1532 نفوذًا متزايدًا لوعّاظ إصلاحيين، أبرزهم برنارد روتمان الذي تحوّل تدريجيًا من اللوثرية إلى الأنابابتية المتطرفة. في بداية 1534، وصل إلى المدينة اثنان من الدعاة الهولنديين الأنابابتست: يان ماتيس ويان فان لايدن (المعروف أيضًا بيان بويكلزون)، وسرعان ما سيطرا على السلطة الفعلية في المدينة بدعم من سكانها المتحمسين. أعلن ماتيس مونستر “أورشليم الجديدة”، وطرد أو أجبر على إعادة التعميد كل من رفض من الكاثوليك واللوثريين المقيمين، وصادر الممتلكات الخاصة تحت شعار الشيوعية الجماعية المسيحية، وأحرق الكتب باستثناء الكتاب المقدس.
حصار الأمير الأسقف
جمع فرانتس فون فالديك جيشًا لاستعادة مدينته، وفي خطوة نادرة تجاوزت الانقسام الديني السائد، انضم إليه نبلاء وقوات لوثرية إلى جانب الكاثوليك، إذ رأى الطرفان في التجربة الأنابابتستية الراديكالية خطرًا مشتركًا يفوق خلافاتهما البينية. بدأ حصار المدينة في فبراير 1534، واستمر أكثر من عام كامل.
قُتل يان ماتيس في أبريل من العام نفسه (يوم عيد الفصح) في هجوم انتحاري خارج الأسوار، إذ اعتقد أن الله سيمنحه نصرًا خارقًا على المحاصرين بجيش صغير، فقُتل فورًا وقُطع رأسه ونُصب على رمح أمام أسوار المدينة كتحذير لسكانها. خلفه يان فان لايدن، الذي أعلن نفسه “ملك أورشليم الجديدة”، ووطّد سلطته المطلقة داخل المدينة المحاصرة.
“الملك” يان فان لايدن: تعدد الزوجات والإرهاب الداخلي
فرض فان لايدن نظام تعدد الزوجات القسري داخل المدينة، مستشهدًا بنماذج الأنبياء في العهد القديم، وتزوج هو شخصيًا من نحو ستة عشر امرأة، من بينهن أرملة يان ماتيس نفسه. حين رفضت إحدى زوجاته، إليزابيث فاندشيرر، طاعته وطلبت مغادرة المدينة، أعدمها بنفسه علنًا في ساحة السوق أمام سائر زوجاته، في مشهد وثّقه معاصرون كدليل على استبداده المتصاعد. فرض أيضًا نظامًا قضائيًا صارمًا عاقب بالإعدام على مخالفات بسيطة كالتذمر من الجوع، مع استمرار الحصار الذي أدى إلى مجاعة خانقة داخل الأسوار اضطر معها السكان لأكل الفئران والكلاب وحتى الجلود المغلية.
سقوط المدينة والمجزرة
في ليلة الرابع والعشرين إلى الخامس والعشرين من يونيو 1535، تمكنت قوات الحصار من اقتحام المدينة بمساعدة معلومات سرّبها أحد المنشقين عن نقطة ضعف في التحصينات. تبع الاقتحام مجزرة شاملة راح ضحيتها معظم المدافعين الأنابابتست وأعداد من المدنيين، إذ لم يُميّز المهاجمون كثيرًا بين المقاتلين والعزّل بعد شهور من الحصار المرير.
قُبض على يان فان لايدن ومساعديه الرئيسيين برنارد كنيبردولينغ وبرنارد كريشتينغ أحياء، وفي يناير 1536، أُخضعوا لتعذيب علني وحشي في ساحة سوق مونستر أمام حشد كبير: استُخدمت كلاليب محماة بالنار لتمزيق لحومهم بالتتابع قبل أن يُطعنوا حتى الموت بخناجر محماة في القلب. عُلّقت جثثهم الثلاث بعد ذلك في أقفاص حديدية من برج كنيسة القديس لامبرت، تحذيرًا صريحًا لأي محاولة تمرد مستقبلية. أُزيلت الجثث لاحقًا بعد تحللها، لكن الأقفاص الفارغة ذاتها لا تزال معلقة على البرج حتى يومنا هذا، وأصبحت من أبرز معالم مدينة مونستر التاريخية.
الإرث: اضطهاد الأنابابتست في عموم أوروبا
لم تنته تداعيات حادثة مونستر بسقوط المدينة؛ فقد استُخدمت كدعاية مضادة قوية ضد الأنابابتست في عموم أوروبا، إذ تذرّعت كل من السلطات الكاثوليكية والبروتستانتية بـ”فوضى مونستر” لتبرير حملات اضطهاد واسعة استمرت عقودًا ضد أي جماعة أنابابتستية، حتى تلك المسالمة التي لم تشارك في أحداث مونستر إطلاقًا ورفضت العنف مبدئيًا، مثل جماعة المينونايت التي تأسست لاحقًا على يد مينو سيمونز نفسه كرد فعل سلمي على فظائع مونستر. أُعدم آلاف الأنابابتست في مختلف أنحاء أوروبا خلال القرن السادس عشر، غرقًا وحرقًا وقطعًا للرؤوس، على يد سلطات كاثوليكية وبروتستانتية على حد سواء، في واحدة من أكثر حملات الاضطهاد الديني الداخلي شمولًا في تاريخ أوروبا المسيحية.
المصادر
- Anthony Arthur, The Tailor-King: The Rise and Fall of the Anabaptist Kingdom of Münster (St. Martin’s Press, 1999)
- Norman Cohn, The Pursuit of the Millennium (Oxford University Press, 1957)
- James M. Stayer, Anabaptists and the Sword (Coronado Press, 1972)
- Ralf Klötzer, Die Täuferherrschaft von Münster (Aschendorff, 1992)
- Klaus Deppermann, Melchior Hoffman: Social Unrest and Apocalyptic Visions in the Age of the Reformation (T&T Clark, 1987)
- Willem de Bakker, Michael Driedger, James Stayer, Bernhard Rothmann and the Reformation in Münster, 1530–35 (Pandora Press, 2009)


لا يوجد تعليق